سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

77

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« ولما انتهى بي العلم إلى ذلك الحد ، انقلبت أفراحي بالخيال أتراحا ، ورجعت عن نظريتي ، والفشل ملء إهابي وجبتي . ثم جمعت ما ترفق من الفكر ولممت شعث التصور ، ونظرت إلى الشرق وأهله ، فاستوقفتني الأفغان ، ثم الهند وفيها تثقف عقلي فإيران بحكم الجوار والروابط وإليها كنت صرفت بعض همتي ، فجزيرة العرب ، من حجاز مهبط الوحي ، ومشرق أنوار الحضارة ومن يمن وتبابعتها واقيال حمير فيها ، ونجد وعراق وبغداد وهارونها ومأمونها ! والشام ودهات الأمويين فيها والأندلس وحمراؤها وهكذا كل صقع ودولة من دول الإسلام في الشرق وما آل إليه أمرهم فيه اليوم . « فالشرق ! الشرق ؟ وقد خصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه وتحري دوائه فوجدت أقتل أدوائه وما يعترض في سبيل توحيد الكلمة فيه - داء انقسام أهليه وتشتت آرائهم واختلافهم على الاتحاد واتحادم على الاختلاف ! فقد اتفقوا على أن لاينفقوا ولا تقوم على هذا القوم قائمة » . نعم ! عرف جمال الدين بغرضه وسعيه الحثيث ، لجمع شتاب أهل الشرق وإيقاظ الهمم من أهله والإشراف بهم على الخطر الغربي ، المحدق بكيانهم والآخذ بخناقهم ، ليعملوا على جمع كلمتهم ويأخذ كل ملك أو أمير في الشرق على ترقية شعبه وتحسين ملكه وتحصينه بالحكم الشوري الدستوري وتمكينه بما يربط الأقرب فالأقرب ويقويه بالتحالف والاتحاد حتى يرجع الكل إلى الانضواء تحت راية الخلافة العظمى . هذا مختصر مرتئاه ، وكان لا يقنط من الوصول إليه ، بدليل سعيه المتواصل وتحمله أنواع المكاره والمصائب والنوائب ، في سبيل ذلك المطلب . نعم كان يراه بعيدا ولكن ما كان ليراه مستحيلا ، بل رأيناه يستبشر بكل ضغط وعسف وجور ، يحصل على الممالك الشرقية من الدول الغربية . ويقول : « بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة والأزمة تلد الهمة » - . وسيأتي تفصيل ذلك في بحثه عن الإنجليز ومصر .