سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

67

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

الاعتماد على الله لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر . عظيم الأمانة ، سهل لمن لاينه ، صعب على من خاشنه ، طموح إلى مقصده السياسي الذي سبق ذكره - إذا لاحت له بارقة منه ، تعجَّل السير بالوصول إليه ( وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان ) . قليل الحرص على الدنيا ، بعيد عن الغرور بزخارفها ، ولوع بعظائم الأمور معرض عن صغارها ، ثابت الجأش ، شجاع ، مقدام لايهاب الموت كأنه لا يعرفه . قد يساق إلى القتل فيسير إليه سير الشجاع إلى الظفر . إلا أنه حديد المزاج وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة ، ولكنه في آخر سني حياته صار في رسوخ الأطواد . فخور بنسبه إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وآله لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزا أمنع ، من كونه سلالة ذلك البيت الطاهر ( رضي الله عنهم ) وبالجملة فضله كعلمه ، والكمال لله وحده . علومه : فأما منزلته من العلم وغزارة المعارف ، فليس يحدها بليغ ، إلا بنوع من الإشارة إليها . لهذا الرجل سلطة على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها ، كأن كل معنى قد خلق له . وله قوة على حل ما يعضل منها ، كأنه سلطان شديد البطش ، فنظرة منه تفكك عقدها . كل موضوع يلقي إليه ويدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه ، فيأتي على أطرافه ويحيط بجميع أكنافه ويكشف ستر الغموض عنه فيظهر المستور منه . إذا تكلم في الفنون ، حكم فيها حكم الواضعين لها ، ثم له في باب التصور والخيال قدرة على الاختراع كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع ، له لسن في الجدل وحذق في صناعة الحجة ، لا يلحقه فيها أحد إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه ، وكفاك شاهدا على ذلك أنه ما خاصم أحدا إلا خصمه ، ولا جادله عالم إلا ألزمه ، وقد اعترف له الأوروبيون بذلك ، بعد ما أقر له الشرقيون . وبالجملة فإني لو قلت إن ما آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء ، لكنت غير مبالغ . « ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤتِيه مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ العَظيم » [ الجمعة : 4 ] .