سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

54

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

بما يأمر به ، فأشار بعدم التسرع ولزوم الأخذ بسنن التدريج ، غير أن الشاه لما رأى ما ناله جمال الدين من علو المنزلة ونفوذ الكلمة في مملكته وما سخره من قلوب الأمراء والعلماء ، أوجس خيفة وداخله ريب عظيم واضطراب متخوفا على سلطانه ، فتنكر لجمال الدين وتغيّر سير الشاه معه فأدرك السيد ما في نفسه ، فاستأذنه في السفر لتبديل الهواء ! فأذن له ، فسار إلى روسيا وزار عواصمها ، من موسكو ، فبطر سبرج » فلاقاه أهلها بالتجلة والإكرام لما سبق إلى مسامعهم من شهرته واجتمع في « بطر سبرج » بأعاظم رجالها ، من العلماء والسياسيين وهم يعلمون منزلة جمال الدين ، إذ كان وزيرا أولا لحكومة الأفغان في عهد الأمير « محمد أعظم خان » ونشر في جرائدها مقالات ضافية في سياسة الأفغان والفرس والدولة العلية والروسية والإنجليزية ، كان لها دَويّ شديد في جو السياسة ، أما نفرة السيد من سياسة الإنجليز وتنقيده لها بالبراهين القاطعة فقد أوسع له في المملكة الروسية مجالا ، فأولوه غاية الإجلال والتكريم والإصغاء لأحاديثه والانتصار لسياسته ، حتى أن القيصر دعاه لقصره وتحادث معه طويلا ، وكان كثير الحفاوة به معظما له ، مصغيا لما يقوله ( ! ) . بعد تلك الأحاديث الطويلة ، سأل القيصر جمال الدين ، عن سبب اختلافه مع الشاه ؟ فذكر له رأيه في « الحكومة الشورية » وضرورة اتباعها ، وأن الشاه ينفر من ذلك ولا يحب أن يقرّ به . قال القيصر : « إنّي أرى الحق في جانب الشاه ! إذ كيف يرضى ملك من الملوك أن يحكم به فلا حو مملكته » ؟ فأجاب جمال الدين بجرأة وفصاحة : « أعتقد يا جلالة القيصر أن عرش الملك ، إذا كانت الملايين من الرعية أصدقاء له ، خيرا من أن تكون أعداء يترقبون الفرص ، ويكمنون في الصدور سموم الحقد ونيران الانتقام . فعلت عند ذلك وجه القيصر علامة غضب فقطب حاجبيه ولم يطل الحديث بعد ذلك مع جمال الدين ، بل قام من مجلسه وودّع جمال الدين بغير الشكل الذي استقبله به ، إذ كان وداعا باردا ، ثم أوعز القيصر إلى أكبر رجال بلاطه ، أن يسرعوا متلطفين بإخراجه من روسيا !