سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
34
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
ونهض مسرعا مع رجل الحكومة ، لكي يذهب معه حيث شاء فقال له : مهلا الآن ! فموعد السفر غدا . قال جمال الدين : إلى أين تريدون أن أذهب ؟ قال : إلى حيث تشاء بعد أن تبارح الهند ! وفي الصباح سيَّرته من هناك في أحد مراكبها ، على نفقتها إلى « السويس » فجاء إلى مصر وأقام بها نحو أربعين يوما ، تردد فيها على « الجامع الأزهر » وخالطه كثير من طلبة العلم السوريين . ومالوا إليه كل الميل ، كما مال إليهم وسألوه أن يقرأ لهم « شرح الأظهار » فقرأ لهم بعضا منه في بيته ، ثم تحول عن « الحجاز » عزمه ، وتعجل بالسفر إلى « الأستانة » . وصل « الأستانة » وبعد أيام من وصوله أمكنته ملاقاة الصدر الأعظم « عالي باشا » فنزل منه منزل الكرامة وعرف له الصدر فضله وأقبل عليه بما لم يسبق لمثله ، وهو مع ذلك بزيه الأفغاني : قباء وكساء وعمامة عجراء وحومت عليه لفضله قلوب الأمراء والوزراء وعلا ذكره بينهم وتناقلوا الثناء على علمه ودينه وأدبه وهو غريب عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم . وبعد ستة أشهر ، سمي عضوا في « مجلس المعارف » فأدى حق الاستقامة في آرائه وأشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه على الذهاب إليها رفقاؤه ومنها ما أحفظ عليه قلب « شيخ الإسلام » لتلك الأوقات ، « حسن فهمي أفندي » لأنها كانت تمس شيئا من رزقه ! - فأرصد له العنت حتى كان رمضان سنة ( 1287 ه - 1871 م ) فرغب إليه مدير دارالفنون ، « تحسين أفندي » أن يلقي فيها خطابا ، للحث على الصناعات فاعتذر إليه بضعفه في اللغة التركية ، فألح عليه فأنشأ خطابا طويلا كتبه قبل إلقائه وعرضه على وزير المعارف « صفوت باشا » ، وعلى مشير الضابطة « شرواني زاده » وعلى « منيف باشا » وكان من أركان الدولة وعضوا في مجلس المعارف ، فاستحسنه كل منهم وأطنب في مدحته . فلما كان اليوم المعيّن لاستماع الخطاب ، تسارع الناس إلى « دار الفنون » واحتفل له جم غفير من رجال الحكومة ، وأعيان أهل العلم وأرباب الجرائد وحضر في الجمع معظم الوزراء .