سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

335

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

أعظم دليل على وجود قوة قاهرة فوق إرادة البشر ، تقوض عروش الملوك قهرا وموت نطس الأطباء رغما وعجز الحكماء فعلا . النعيم والجحيم يتجليان للإنسان في صور أعماله فيتنعم بالحسن منها ويتألم من القبيح . كم من غني محسود بمظهره فقير مقهور في حقيقة أمره . السعادة في الدنيا ضالة البشر وإذا وجدها أحد قلما يدل عليها ولا أظنها من موجودات هذا العالم الفاني . ربما تكون القناعة أحد أسباب السعادة ولكن ليس لها حد معروف ، ولا شكل موصوف فالإنسان مسرف في كل شيء . لذلك كثر بين الناس المفرطون وقل المعتدلون . يكفر الإنسان في كل شيء لا يرضاه ويعبد كل شئ المعتدلون . يكفر الإنسان في كل شيء لا يرضاه ويعبد كل شئ يهواه . من أعظم مجالي الحكمة المحافظة على الهيئة المتوسطة والفضائل بلا شك هيئات متوسطة بين خلتين ناقصتين . الأحزاب السياسية نعم الدواء ولكنها في الشرق تنقلب غالبا إلى شر الداء . يتألف الحزب في الشرق ويعلن على الأمة غايات ومطالب شريفة فيناصرونه ويكون الكل له أصدقاء في البداية ثم تظهر الأثرة والأنانية وحب الذات فينفرط عقد الحزب ويصير الكل له أعداء في النهاية . قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار [ 1 ] .

--> [ 1 ] - زار جمال الدين يوما أحد القضاة ويمسى « نائب » كان في عكا وآخر قاضي « نائب » في إحدى القضوات ، وكان القانون العثماني إذ ذاك يقضي بأن يتولى القاضي الشرعي ، رياسة محكمة الحقوق مع المحكمة الشرعية ومدة مأموريته سنتان ينفصل عند انقضائهما . وفي الأقضية كان القاضي يتولى رياسة محكمة الحقوق والجزاء والتجارة والإجراء ، وأخذ كل منهما يشكو قلة راتبه وهو تقريبا اثنتا عشرة ليرة ونصف عثمانية شهريا ويشكو من اضطراره في كل سنتين للانتقال مع عياله ومجيئه للآستانة ومكثه فيها حتى ينال نيابة ثانية ، وإذ دخل رجل محترم حسن الهيئة واللباس ، فاحتفل به السيد وعرفه للحاضرين وأنه قاضٍ في محكمة طنطا وسأله عن حالة القضاء وراتب القضاة فامتدح الرجل سير القضاء الوطني المصري وأن التراتب كاف واف . فتبسم جمال الدين وقال : قاض في الجنة - وأشار إلى القاضي المصري - وقاضيان في النار - وأشار إلى من كان يشكو من قضاة الأتراك - !