سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
325
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
الحقوق وحماية الأرواح والأموال والأعراض ، بل كل رابطة سوى رابطة الشريعة الحقة ، فهي ممقوتة على لسان الشارع والمعتمد عليها مذموم والمتعصب لها ملوم فقد قال صلى اللَّه عليه وسلم : « ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية » . والأحاديث النبوية والآيات المنزلة متضافرة على هذا ، ولكن يمتاز بالكرامة والاحترام من يفوق الكافة في التقوى - اتباع الشريعة - : « إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم » [ الحجرات : 13 ] . ومن ثم قام بأمر المسلمين في كثير من الأزمان على اختلاف الأجيال من لا شرف له في جنسه ولا امتياز له قبيله ولا ورث الملك عن آبائه ولا طلبه بشئ من حسبه ونسبه وما رفعه إلى منصة الحكم إلا خضوعه للشرع وعنايته بالمحافظة عليه . وإن بسطة الملك في الوازعين من المسلمين كان اللَّه يسديها إليهم على حسب امتثالهم للأحكام الإلهية واهتدائهم بهديها وتجردهم عن الاعتلاء الشخصي وكلما أراد الوازع أن يختص نفسه بما يفوق غيره في أبهة ورفاهية معيشة وأن يستأثر على المحكومين بحظ زائد رجعت الأجناس إلى تعصبها ووقع الاختلاف وانقبضت سلطة ذلك الوازع . هذا ما أرشدنا إليه سير المسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن ، لا يعتدون برابطة الشعوب وعصبات الأجناس وإنما ينظرون إلى جامعة الدين ؛ لهذا ترى العربي لا ينفر من سلطة التركي والفارسي يقبل سيادة العربي والهندي يذعن لرئاسة الأفغاني ولا اشمئزاز عند أحد منهم ولا انقباض . وإن المسلم في تبدل حكوماته لا يأنف ولا يستنكر ما يعرض عليه من أشكالها وانتقالها من قبيل إلى قبيل ما دام صاحب الحكم حافظا لشأن الشريعة ذاهبا مذهبا . نعم إذا شذ أو حاد في سيرة عنها وطلب الإمرة بما ليس من حقه ، انصدعت منه القلوب وانحرفت عن محبته الأنفس وأصبح - وإن كان وطنيا فيهم - أشنع حالا من الأجنبي عنهم . إن المسلمين اختصوا من بين أرباب الأديان بالتأثر والأسف عندما يسمعون بانفصال بقعة إسلامية عن حكم إسلامي بدون التفات إلى جنسها وقبيلها .