سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

32

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

السيد جمال الدين خيرا له أن يفارق بلاد الأفغان فاستأذن للحج ، فأذن له على شرط أن لا يمر ببلاد إيران ، كي لا يلتقي فيها بمحمد أعظم ! وكان لم يمت ، فارتحل على طريق الهند سنة « 1285 ه - 1869 م ) بعد هزيمة محمد أعظم بثلاثة أشهر ، وكان شديد الرغبة في الإقامة في الهند بغير ظهور ، فراسل أحد أصحابه من تجار الأفغان هناك أن يكون ضيفه على أبسط حالات الضيف والمضيف . ولكن شدة تيقظ رجال الإنجليز لكل حادثة تحدث خصوصا في الأفغان إذ ذاك ، حالت دون رغبة جمال الدين في أن يأتي إلى الهند على ما يرومه من شكل البساطة ، ومخالطة طبقات الهنود - لذلك كان اندهاش جمال الدين عظيما ، إذ رأى أن الحكومة الهندية تستقبله على الحدود ، استقبالا فخمار رسميا - وليس عليه أدنى صفة تستلزم ذلك المظهر الرسمي ، خصوصا وأنه لم ير بين ذلك الجمهور أحدا من معارفه ولا من استضافه وهو ذلك التاجر البسيط الأفغاني ، فقابل تلك الحفاوة بقوله : « مأرب لا حفاوة من كريم » ! ولم يسع جمال الدين في ذلك الموقف إلا أن يشكر رجال الحكومة الهندية على احتفائهم به ، وطلب أن يذهب إلى بيت صديقه التاجر فأجابوه : « إن الحكومة قد أعدت له نُزلا لا يمكن أن يتخلف عنه لسواه » فرضخ إلى ذلك اللطف ؛ إذ علم أن العنف لا يجدي نفعا مع الضعف . وأول سؤال ألقي على جمال الدين من الحكومة : ما هو الزمن الذي يريد أن يقيم فيه في الهند ؟ قال : لا أكثر من شهرين . فقبلت ذلك الحكومة ووضعت من موظفيها أشخاصا يسألون كل زائر عن غرض زيارته وما يريد أن يقوله ؟ فجاء في اليوم الأول عشرات تمكن المراقبون من أن يسمعوا ما قالوه وما أجاب به جمال الدين ، وفي اليوم الثاني أصبحت العشرات مئات ، وفي الثالث والرابع وفدوا جماهير وما أتم الأسبوع حتى ارتجت أقطار الهند ، وهرعت أكابر علمائها وراجاتها ، وغصت الساحات بالوفود ، وبينهم من ليس باستطاعة الحكومة الهندية أن تمنعه من الاجتماع مع جمال الدين ولا يمكنها بذات الوقت أن ترصد مئات من المراقبين يحضرون ويسمعون ما يدور بين الزائر والمزور .