سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

308

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

أما لو فاض طوفان الفتن وطمّ وجه الأرض وغمر البسيطة من دماء المخالفين لهم في الدين والمذهب ، فلا ينبض لهم عرق ولا يتنه لهم إحساس بل يتغافلون عنه ويذرونه وما يجرف حتى يأخذ مده الغاية وحدّه النهاية ويذهلون عما أودع في الفطرة البشرية من الشفقة الإنسانية والمرحمة الطبيعية كأنما يعدون الخارجين عن دينهم من الحيوانات السائمة والهمل الراعية وليس من نوع الإنسان الذي يزعم الأوروبيون أنهم حماته وأنصاره ، وليس هذا خاصا بالمتدينين منهم بل الدهريين ومن لا يعتقدون باللَّه وكتبه ورسله يسابقون المتدينين في تعصبهم الديني ولا يألون جهدا في تقوية عصبتهم وليتهم يقفون عند الحق ولكن كثيرا ما تجاوزوه . أما أن شأن الإفرنج - وو أخصهم الإنجليز - في تمسكهم بالعصبية الدينية لغريب ! يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية الفكرية حتى يرفعوه إلى الرئاسة على الأحزاب « كغلادستون » وأضرابه ، ثم لا نجد كلمة تصدر عنه إلا وفيها نفثة من روح أحد القديسين ! ولا يقدم على عمل مهم ، قبل أن يعمل خيرة « استخارة » ! في الإنجيل . أنظر إلى كتب غلادستون وخطبه السابقة . فيا أيتها الأمة المرحومة ، هذه حياتكم فاحفظوها ودمائكم فلا تريقوها وأرواحكم فلا تزهقوها وسعادتكم فلا تبيعوها بثمن دون الموت ! هذه هي روابطكم الدينية لا تغرنكم الوساوس ولا تستهوينكم الترهات ولا تدهشكم زخارف الباطل ، ارفعوا غطاء الوهم عن باصرة الفهم ، واعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها التركي بالعربي والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي وقامت لهم مقام الرابطة النسبية ، حتى أن الرجل منهم ليألم لما يصيب أخاه من عاديات الدهر وإن تناءت دياره وتقاصت أقطاره ، هذه صلة من أمتن الصلات ساقها اللَّه إليكم ومنها عزتكم ومنعتكم وسلطانكم وسيادتكم فلا ترهنوها ! ولكن عليكم في رعايتها أن تخضعوا لسطوة العدل ! العدل ! العدل ! فالعدل أساس الكون وبه قوامه ، ولا نجاح لقوم يزدرون العدل بينهم وعليكم أن تتقوا اللَّه وتلزموا أوامره في حفظ الذمم ومعرفة الحقوق لأربابها وحسن المعاملة وإحكام الألفة في المنافع الوطنية وتأكيد الروابط بينكم وبين أبناء وطنكم وجيرانكم من