سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
306
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
العمران البشري يعتمدون عليها في التهاون بالتعصب الديني المعتدل وحسبانه نقيصة يجب الترفع عنها ؟ ؟ نعم إن الإفرنج تأكد لديهم أن أقوى رابطة بين المسلمين إنما هي الرابطة الدينية وأدركوا أن قوتهم لا تكون إلا « بالعصبية الاعتقادية » ، ولأولئك الإفرنج مطامع في ديار المسلمين وأوطانهم ، فتوجهت عنايتهم إلى بث هذه الأفكار الساقطة بين أرباب الديانة الإسلامية ، وزينوا لهم هجر هذه الصلة المقدسة وفصم حبالها ليقضوا بذلك بناء الملة الإسلامية ويمزقونها شيعا وأحزابا ، فإنهم علموا كما علمنا وعلم العقلاء أجمعون أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم ، وتسنى للمفسدين نجاح في بعض الأقطار الإسلامية وتبعهم بعض الغافلين من المسلمين جهلا وتقليدا فساعدوهم على التنفير من العصبة الدينية بعد ما فقدوها ولم يستبدلوها برابطة الجنس التي يبالغون في تنظيمها واحترامها حمقا منهم وسفاهة ، فمثلهم كمثل من هدم بيته قبل أن يهيئ لنفسه مسكنا سواه فاضطر للإقامة بالعراء معرضا لفواعل الجو وما تصول به على حياته ! من هذا ما سلك الإنجليز في الهند لما أحسوا بخيال السلطنة يطوف على أفكار المسلمين منهم - لقرب عهدهم به - وفي دينهم ما يبعثهم على النهوض إلى استرداد ما سلب منهم . وأرشدهم البحث في طبائع الملل إلى أن حياة المسلمين قائمة على الوصلة الدينية ، وما دام الاعتقاد المحمدي والعصبة الملية سائدة فيهم فلا تؤمن بعثتهم إلى طلب حقوقهم ، فاستهووا طائفة ممن يتسمون بسمة الإسلام ويلبسون لباس المسلمين وفي صدورهم غل وفي قلوبهم زيغ وزندقة وهم المعروفون في البلاد الهندية ب « النيجزية » أي الدهريين ، فاتخذهم الإنجليز أعوانا لهم على فساد عقائد المسلمين وتوهين علائق التعصب الديني ؛ ليطفئوا بذلك نار حميتهم ويخمدوا نائرة غيتهم ويبددوا جمعهم ويمزقوا شملهم ، وساعدوا تلك الطائفة على إنشاء مدرسة كبيرة ونشر جريدة لبث هذه الأباطيل بين الهنديين حتى يعم الضعف في العقائد وترث أطناب الصلاة بين المسلمين فيستريح الإنجليز في التسلط عليهم وتطمئن قلوبهم من جهتهم كما اطمأنت من جهة غيرهم . وغر أولئك الغفل المتزندقين أن رجال دولة بريطانيا يظهرون لهم رعاية صورية ويدنونهم من بعض الوظائف الخسيسة . تعس من يبيع ملته بلقمته وذمته برذال العيش .