سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

304

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

كذب الخراصون إن الدين أول معلم وأرشد أستاذ وأهدى قائد للأنفس إلى اكتساب العلوم والتوسع في المعارف وأرحم مؤدب وأبصر مروّض ، يطبع الأرواح على الآداب الحسنة والأخلاق الكريمة ويقيمها على جادة العدل وينبه منها حاسة الشفقة والرحمة خصوصا دين الإسلام فهو الذي رفع أمة كانت من أعرق الأمم في التوحض والقسوة والخشونة وسمى بها إلى أرقى مراقي الحكمة ، والمدنية في أقرب مدة وهي « الأمة العربية » . قد يطرأ على التعصب الديني من التغالى والإفرا مثلما يعرض على التعصب الجنسي فيفضي إلى ظلم وجور وربما يؤدي إلى قيام أهل الدين لإبادة مخالفيهم ومحق وجودهم كما قامت الأمم الغربية واندفعت إلى بلاد الشرق لمحض الفتك والإبادة لا للفتح ولا للدعودة الدينية ، وذلك في الحرب الهائلة المعروفة بحرب « الصليب » وكما فعل الإسبانيون بمسلمى الأندلس ، وكما وقع قبل هذا وذاك في بداية ما حصلت الشوكة للدين المسيحي ، فإن صاحب السلطان من المسيحيين جمع اليهود في القدس وأحرقهم . إلا أن هذا العارض لمخالفته لأصول الدين ، قلما تمتد له مدة ، ومن ثم يرجع أرباب الدين إلى أصوله القائمة على قواعد السلم والرحمة والعدل . أما أهل الدين الإسلامي فمنهم طوائف شطت في تعصبها في بعض الأجيال الماضية إلا أنه لم يصل بهم الإفراط إلى حد يقصدون فيه الإبادة وإخلاء الأرض من مخالفيهم في دينهم وما عهد ذلك في تاريخ المسلمين بعد ما تجاوزوا حدود جزيرة العرب - ولنا الدليل الأقوم على ما نقول - وهو أن وجود الملل المختلفة في ديارهم إلى الآن حافظة لعقائدها وعوائدها من يوم سلطوا عليها وهم في عنفوان القوة وتلك الملل في وهن الضعف . نعم كان للمسلمين ولم بتوسيع الممالك وامتداد الفتوحات وكانت لهم شدة على من يعارضهم في سلطانهم ، إلا أنهم كانوا مع ذلك يحفظون حرمة الأديان ويرعون حق الذمة ويعرفون لمن خضع لهم من الملل المختلفة حقه ويدفعون عنه غائلة العدوان ، ومن العقائد الراسخة في نفوسهم أن من رضي بذمتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ، ولم يعدلوا في معاملتهم لغيرهم عن أمر اللَّه في قوله : « يا أيّها الّذين آمنوا