سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
293
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
يدخل في حسابها شئ يعود على ملتهم بالمنفعة ، يتخاذلون ويتنافرون وينيطون المصالح العمومية بمصالحهم الخصوصية ، فرب تنافر بين أميرين يضيع أمة كاملة ، كل منهما يخذل صاحبه ويستعدي عليه جاره فيجد الأجنبي فيهما قوة فانية وضعفا قاتلا فينال من بلادهما ما لا يكلفه عددا ولا عدة ، شملهم الخوف وعمهم الجبن والخور ، يفزعون من الهمس ويألمون من اللمس ، قعدوا عن الحركة إلى ما يلحقون به الأمم من العزة ولاشوكة وخالفوا في ذلك أوامر دينهم مع رؤيتهم لجيرانهم ، بل الذين تحت سلطتهم يتقدمون عليهم ويباهونهم بما يكسبون . وإذا أصاب قوما من إخوانهم مصيبة أو عدت عليهم عادية لايسعون في تخفيف مصابهم ولا ينبعثون لمناصرتهم ولا توجد فيهم جمعيات ملية كبيرة لا جهرية ولا سرية يكون مقاصدها الغيرة وتنبيه الحمية ومساعدة الضعفاء وحفظ الحق من بغي الأقوياء وتسلط الغرباء ! هكذا نسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وتلك الأطوار وزعموا أن لا منشأ لها إلا اعتقادهم « بالقضاء والقدر » وتحويل جميع مهماتهم على القدرة الإلهية وحكموا بأن المسلمين إذا داموا على هذه العقيدة فلن تقوم لهم قائمة ولن ينالوا عزا ولن يعيدوا مجدا ولا يأخذون بحق ولا يدفعون تعديا ولا ينهضون بتقوية سلطان أو تأييد ملك ولا يزال بهم الضعف يفعل في نفوسهم ويركس من طباعهم حتى يؤدي بهم إلى الفناء والزوال - والعياذ باللَّه - يفني بعضهم بعضا بالمنازعات الخاصة وما يسلم من أيدي بعضهم يحصده الأجانب . واعتقاد أولئك الإفرنج أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبرية القائلين بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله وتوهموا أن المسلمين بعقيدة القضاء ، يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح كيفما تميل ! ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا اختيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون وإنما جميع ذلك بقوة جابرة وقدرة قاهرة ؛ فلا ريب تتعطل قواهم ويفقدون ثمرة ما وهبهم اللَّه من المدارك والقوى وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب وأجدر بهم بعد ذلك أن يتحولوا من عالم الوجود إلى عالم العدم . هكذا ظنت طائفة من الإفرنج وذهب مذهبها كثيرون من المتفرنجين وغيرهم من ضعفاء العقول في المشرق ولست أخشى أن أقول : كذب الظان وأخطأ الواهم