سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

276

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

لمَ لا يحار الحكيم وإن كان نطاسيا ؟ ! لم لا يقف الخبير البصير دون استكناه الحقيقة ؟ ! هل القرون الخالية والأحقاب الماضية لم تكن كافية لرسوخ الديانتين في نفوس المتمسكين بعراهما ؟ ! هل نبذت كل ملة من الملتين عقائد دينها ظهريا من أجيال بعيدة ؟ هل اقتصر النصارى في دينهم على الأخذ بشريعة موسى فقط واقتفاء سيرة يوشع بن نون ؟ هل تخللت آيات الإنجيل من حيث لا يدري بين الخطب والمواعظ التي تتلى على منابر المسلمين أو ألقى شئ منها في أماني معلميهم وناشري شريعتهم عندما يتربعون في محافل دروسهم ؟ هل تبدلت سنة اللَّه في الملتين ؟ هل تحول مجرى الطبيعة فيهما ؟ هل استبدت الأبدان فيهما على الأرواح أو انفلتت الأفكار من سلطة الدين أو تعاصت النفوس عن الانتعاش بنقشته وهو أول حاكم عليها وأقوى مؤثر فيها ؟ هل تتخلف العلل عن معلولاتها وهل تنقطع النسب بين الأسباب ومسبباتها ؟ ! ماذا عساه يرشد العقول إلى كشف المساتير وحل المعميات ؟ ! أينسب هذا إلى اختلاف الأجناس وكثير من أبناء الملتين يرجعون إلى أصول واحدة ويتقاربون في الأنساب الدانية ؟ أينسب إلى اختلاف الأقطار ، وكثير من القبيلين يتشابهون في طبائع البلدان ويتجاورون في مواقع الأمكنة ؟ ألم يصدر من المسلمين وهم في شبيبة دينهم أعمال بهرت الأبصار وأدهشت الألباب ؟ ألم يكن منهم مثل فارس والعرب والترك الذين دوّخوا الممالك واستولوا على كرسي السيادة فيها ، نعم كان للمسلمين في الحروب الصليبية آلات نارية أشباه المدافع ، ففزع لها المسيحيون وغابوا عن معرفة أسبابها . ذكر ملكام سرجم - الإنجليزي - في تاريخ فارس أن السلطان محمود الغزنوي كان يحارب وثنيي الهند بالمدافع وكانت أهم الأسباب في انهزامهم بين يديه سنة 400 من الهجرة . فأي عون من الدهر أخذ بأيدي الملة المسيحية فقدمها إلى ما لم يكن في قواعد دينها ؟ وأي صدمة من صدماته دفعت في صدور المسلمين فأخرتهم عن تعاطي الوسائل لما هو أول مفروض في دينهم ؟ مقام للحيرة وموضع للعجب ! ولابد لهذا التخالف من سبب - نعم - وتفصيله يطول ولكن نجمل على ما شرطنا :