سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
273
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
وبسط أكفه للطبيعة ليستجديها نفسا من حياة - لشحَّت به عليه بل دفعته إلى هاوية العدم - وهو في صنعه وإبداعه محتاج إلى أستاذ يثقفه وهادير شده فكما يعمل لتوفير لوازم معيشته وحاجات حياته - يعمل ليتعلم ويعلم كيف يعمل وليقتدر على أن يعمل ، فصنعته أيضاً من صنعه فهو في جميع شؤونه الحيوية « عالم صناعي » كأنه منفصل عن الطبيعة ، بعيد من آثارها حاجته إليها كحاجة العامل لآلة العمل ، هذا هو الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه . دعه في هذه الحالة وخذ طريقا من النظر إلى أحواله النفسية من الإدراك والتعقل والأخلاق والملكات الانفعالات الروحية ، تجده فيها أيضاً « عالما صناعيا شجاعته وجبنه ، جزعه وصبره ، كرمه وبخله ، شهامته ونذالته ، قسوته ولينه ، عفته وشرهه وما يشابهها من الكمالات والنقائص جميعها تابع لما يصادفه في تربيته الأولى وما يودع في نفسه من أحوال الذين نشأ فيهم فمرامي أفكاره ومناهج تعقله ومذاهب ميله ومطامح رغباته ونزوعه إلى الأسرار الإلهية أو ركونه إلى البحث في الخواص الطبيعية وعنايته باكتشاف الحقيقة في كل شئ أو وقوفه عند بادئ الرأي فيه وكل ما يرتبط بالحركات الفكرية ، إنما هي ودائع اختزنها لديه الآباء والأمهات والأقوام والعشائر والمخالطون . أما هواء المولد والمربي ونوع المزاج وشكل الدماغ وتركيب البدن وسائر الغواشي الطبيعية فلا أثر له في الأعراض النفسية والصفات الروحانية إلا ما يكون في الاستعداد والقابلية على ضعف في ذلك الأثر ، فإن التربية وما ينطبع في النفس من أحوال المعاشرين وأفكار المثقفين تذهب به كأن لم يكن أودع في الطبع شيء نعم إن أفكارا تتجدد ومعقولات عن أخرى تتولد وصفات تسمو وهمما تعلو حتى يفوق اللاحقون فيها السابقين ويظن أن هذا من تصرف الطبيعة لا من آثار الاكتساب ولكن الحق فيه أنه ثمرة ما غرس ونتيجة ما كسب فهو مصنوع يتبع مصنوعا ، فالإنسان في عقله وصفات روحه « عالم صناعي » كما قلنا . هذا مما لا يرتاب فيه العقلاء والسذج ولكن هل تذكرت مع هذا أن الأعمال البدنية إنما تصدر عن الملكات والعزائم الروحية وأن الروح هي السلطان القاهر على البدن ؟ أظنك لا تحتاج فيه إلى تذكير لأنه مما لا يغرب عن الأذهان . إنما قبل الدخول في موضوعنا أقول كلمة حق في الدين ولا أظن منكرا يجحدها .