سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
270
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
بأعضاء مخصوصة لافتراس بعض الحشرات التي تقتات بها وهي بتلك القوى تجلب النفع وتدفع الضر . أما عالم الحيوان ولا سيما الإنسان ، فأثر القوة فيه أشد وضوحا من الجميع لأنك لو نظرت في أعضائه عضوا عضوا ، بل لو أخذت كرة من كريات دمه لرأيت تنازعا دائما وتسابقا إلى الغذاء مما بينها فيغلب القوي منها الضعيف . فالقوة مظهر الحياة والبقاء ، والضعف مجلى الخفاء والفناء فحيثما وجدت القوة في تلك المواليد ظهرت معها وبجنبها علامات الضعف والاضمحلال لغيرها . ولا تظهر وتتعين القوة إلا بإضعافها الغير وتسخيرها لها وما كان قوة في طبقة بعض الأحيان يكون ضعفا مع الأقوى منها وهي والحالة هذه « نسبية » - فالنبات المغروس في بقعة واحدة لا تظهر على البعض منه علامات الضعف - بالذبول والموت والاضمحلال بيبسه - إلا بوجود نبات أقوى منه ينازعه أسباب حياته ووجوده ولا يبالي القوي منه بذبول وذهاب نضارة من جاوره من فصائله . وهكذا نرى القوة في كل الطبقات الحية ، مظهر اللتبجيل والإعجاب على علاتها وظلمها لمن هو أضعف منها . فإذا دخلت جنة أو روضة ورأيت أزهارا نضرة وبجنبها حشائش وبقايا أزهار ذابلد ، إنما تعجب بالزاهي النضر البهج من الأزهار ولا يلفتك ما حواليها من الذابل - الذي إنما - اضمحل وذهبت نضرته بالنسبة لغلبة القوى ونزاعه له وانتزاعه منه أسباب حياته . وهكذا في الجماد وكذلك بنتيجة البحث في عمل الحيوان وأرقاه الإنسان . تأمل في الأمم المهضومة والمتنازع في هضمها أو المهيئة للهضم والازدراء والابتلاع كم ترى في شؤونها وإبّان سيرها وتدهورها وانجرارها نحو المحو والفناء من المشاهد المؤثرة إذ تراها كصاحب بيت قبل ضيفا على الرحب والسعة ، ثم ما لبث ذلك الضيف إلا وتداخل في شأن بناء البيت ثم في أثاثه ، ثم في مصرفه ، فحالته الروحية فعادته ، فلسانه وبأخلاقه ومميزاته حتى يضطره أخيراً لعمل ما لا يحب ويكرهه على إتيان ما لا يريد ويجبره على غير ما يلائم طباعه وحياته . ومختصر كل ذلك وآخره « الاستعباد » وهو الموت الأحمر لكل حر والفناء إلى كل ذي حياة ونفس أبية .