سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
27
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
مرتبة وهي « مرتبة الشهداء » وحطني في مصاف المنفيين ، من أرض إلى أرض والمسجونين فيها ، فما أعدني في كل هذا عن أولي الهمم ، ومن قام بالأعمال الخطيرة « أو المطلب الجلل » . مع أن جمال الدين - رحمة الله عليه - لم يترك عملا من الأعمال الخطيرة لخير النوع الإنساني عموما والشرقيين خصوصا ، إلا واقتحمه ببسالة كادت أن تخرجه عن الهيئة المتوسطة وتتجاوز به فضيلة الشجاعة إلى نقيصة التهور وكان على علاته حكيما خطيبا ، قوي الذاكرة - وكان في ذاكرته - سريع الحفظ ، سريع الذكر ، بطيء النسيان وإنه ليذكر خطابا ألقاه ارتجالا أو مقالا أملاه أو كتبه من سنين بالحرف الواحد وكأنما يتلوه من كتاب . شديد البعد عن التعصب ، نفورا منه . وإن ذكر المسلمين في أكثر مقاله ؛ ذلك لأنهم العنصر الغالب بأكثريته في الشرق والملة المسلوبة ممالكها ومقاطعاتها . ولهذا أكثر من إيقاظهم وتنبيههم وتقريعهم وإلا فهو أكثر الفلاسفة توسعا بمعنى المساواة وميلا للعمل بها فعلا بين نوع الإنسان خصوصا في الحقوق العمومية التي لا يصح لها معنى إلا بالحرية المعقولة . يهمه الشرق والشرقيون على السواء وبدون استثناء مهابا أكثر مما هو محبوب لأول نظرة ، شجاعا ، جريئا ، كريما لحد الإسراف ، متواضعا مع الوسط ومن دونهم لدرجة الذل ، متكبرا على الملوك والعظماء لحد التجبر ، حاد الذهن ، قوي الحجة ، نافذ النظر ، يجذب مخاطبه إليه ويرضخه لبرهانه - ولو لم يكن ساطعا له أسلوب خاص في المقدمات تأتي نتائجها بطبعها ، عظيم النفس ، كبير الهمة ، محب لخير البشر ، يحمل كل من خاطبه على العظائم ويذلل لديه المصاعب . صحيح العقيدة ، مؤمنا بالألوهية ، شديد التمسك بحكمة الدين ، نفورا من التقليد في المذهب ، « مجتهدا » ، وله في اجتهاده بعض الغرابة لمخالفته المألوف ، من وجهة التفسير . يقدم حيث يحجم الناس ، ويتكلم حيث يسكتون رغبة أو رهبة متسرعا ببادرات ذهنه وأكثر آرائه ، يتعذر غالبا إقناعه جدلا ، لأسلوبه الخاص في إبطال الحجة عليه أو التخلص منها . غير مكابر بالإجمال وكثيرا ما أعطى خصمه الحق ، بعد أن يفحمه وينبهه ويدله على ما أغفله من الحجج أثناء الجدل ولكن كان لا يخلو من الحدة لمزاجه العصبي !