سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

202

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

العدل الحقيقي أو الصوري ؟ قال : لا ريب أن العدل من أشرف الصفات وأسمى الفضائل ؛ إذ به حفظ المجتمع الإنسانى وعليه قوام الممالك وعمرانها . وإذا كان العدل فضيلة ، فلابد أن يكون هيئة متوسطة بين الجور والظلم وبين الخرق والتسيب ، فلو تصفحنا ما وصل إلينا من أقرب التواريخ تصديقا - ولو شذرات - عن الموآبين والرومانيين والآشوريين ومعاصريهم من المصريين وما بعدهم من التتار وغيرهم ، نجد أن الملوك في فتوحاتهم كانوا أحد رجلين : فاتح لا يهمه غير جمع الغنائم وسفك الدماء واكتساح البلاد ، يمر على البلاد مرور العاصفة الشديدة والإعصار ، فيتقلص ظله بعد موته إما لتنازع قواده وقومه أو لانتفاض البلاد عليهم . وفاتح تتوفر في حاشيته الحكماء وأولو الصحافة من الوزراء ، مع ميل منه للحكمة ، فيؤسس ملكه على شئ من العدل فيدوم ويتداوله من بعده ، إلى أن تضعف تلك القواعد بعدم العمل بها أو لتحريف بمضمونها ، فتخرج عن مواضعها وتسقط مزيتها أو تنعكس النتيجة المنتظرة منها فيدخل الملك في الهرم وتدب فيه عوامل الانقراض - وأفعلها - استفحال الظلم وضعف العدل . « وإذا نظرنا إلى أعمال الملوك وما فيها من الأثر المحمود نرى من العدل الذي أتى - وهو مقصود بذاته - هو ذلك العدل الذي بقي أثره وعلقت به النفوس وطاب ذكره . فكسرى أنوشروان - وانحراف إيوانه - وذلك العدل ، بذلك الانحراف ، الذي لم يدفعه إليه دافع ، ولم يحمله على إجرائه غير الحب للعدل والولوع به فطرة ، كان أفعل وأبلغ الأمثلة لمثل الفاروق أن يكتب لعمرو بن العاص : أكسرى