سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
191
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
للاسترداد والممالك لا تسقط ولاتتبعثر أجزاؤها إلا من ضعف السلطان في عواصمها وبسقوطها . ومنها بعد المستعمرة على الغالب عن مجموع القوة وإحاطتها بأعداء الملك وأعوانه إلخ . انظر ! هل ترى دولة أوروبية جعلت عاصمة ملكها في غير قلب مملكتها وفي غير مكان نشأة تلك الأمة ؟ فالإنجليز لم يجعلوا عاصمتهم - مع سعة ملكهم - إلا جزيرة بريطانيا وفي قلبها مدينة « لندن » وهي الجزيرة التي سكنها البريطانيون في دور توحشهم . والفرنسيس - في باريس - قلب بلاد الغاليين . وهكذا بقية الدول ؛ لأنه على تقدير ذهاب المستعمرات كلها وانتقاضها فإنه يبقى من البلاد ما كان لهم ملكا خاصا . وعلى هذا جرى الخلفاء الراشدون فمقرهم كان « المدينة » وهي قلب البلاد العربية ، محاطة بقوة العرب من سائر الجهات . ثم الأمويون في الشام . ثم العباسيون في بغداد ، والعاصمة أنشأها المنصور إنشاء وكان في ملكهم من المدن ما هو أطيب هواء ، وأمنع موقعا من بغداد ومع ذلك فلم يستبدلوا العارية بالملك الصرف . « نعم إن فتح القسطنطينية فيه من الفخر للفاتح ما لا يمحوه الدهر ، خصوصا بعد أن حاوله الأمويون وبعثوا بالجيوش تحت قيادة يزيد ومعه خالد أبو أيوب الأنصاري صاحب المقام المعروف بالسلطان أيوب ولم يظفروا . ثم العباسيون واكتفى الرشيد ومن بعده بأخذ الجزية من ملكها ! وغيرهم من ملوك الإسلام ولم يظفر بالفتح وبمعنى الحديث الشريف : « لتفتحن القسنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش » إلا ذلك الفاتح العادل الكبير السلطان محمد طيّب اللَّه ثراه . ولا أرتاب أن فتح القسطنطينية لو تيسر للأمويين أو للعباسيين ، لما جعلوها عاصمة ملكهم ، بل جعلوها كما جعلوا غيرها من الممالك ، مستعمرة تتقوى المملكة بجبابة الأموال منها ، وفوضوا أمر إدارة شئونا لأحد الدهاة منهم كما فوضوا مصر والأندلس والسند وبخارى وبلاد الفرس وغيرها للمقتدرين من العمال وهذا هو الحزم وغاية الصواب .