سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
189
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
السلطان العظيم سليمان القانوني الذي وصلت السلطنة العثمانية في عصره إلى منتهى المجد والعظمة . ولما كان الجبل الأسود على ما ذكرنا من الفقر والوعورة وأهله أولي بأس وشدة واستبسال في الدفاع عن استقلالهم ، فكانت الدولة تعد الجبل من ولاياتها ، والجبليون من حين لآخر يجاهرون بالعصيان ، حتى إذا حملت عليهم جيوش العثمانيين يتظاهرون بالرضوخ . وهكذا من سنة 1526 إلى زمن البرنس نقولا - وهو ملك الجبل الحالي - ظل معترفا بسيادة الدولة إلى سنة 1862 ، ثم جاهر بالعصيان والتمرد حتى إذا كان مؤتمر برلين - ذلك القضاء المبرم على الدولة - فقد أعلن استقلال الجبل الأسود والتحق بإخوانه أمراء شبه جزيرة البلقان وتخلصوا من حكم آل عثمان . هذه هي شبه جزيرة البلقان التي افتتحها العثمانيون وبقيت في حوزتهم وتحت سلطانهم لأجيال ، فماذا أحدثت في تلك الممالك من آثار العمران ؟ وماذا تركت في تلك الشعوب من الذكرى ؟ وماذا أعدت من الحزم والرأي والتدبير لبقاء تلك المقاطعات والإمارات في حوزتها ؟ وإذا كان الجواب « لا شيء ! » ، حينئذ يضطرنا الإنصاف إلى أن نقول : إن الدولة العثمانية في فتوحاتها وما شاهدناه من تفريطها ، لم تكن لتحسن الاستعمار بل بقيت سدا منيعا للأمم المحكومة منها ، يحول بينها وبين الأخذ بأسباب الحضارة ومجاراة الأمم الراقية في مدنيتها وعلومها وصنائها . شعوب من ذكرنا من ممالك البلقان يزيدون عن السبعة عشر مليونا ولكل أمة ومملكة جامعات ومميزات من تاريخ ودين ولسان وعادات وأخلاق وهي في كل هذا - على طرفي نقيض مع العثمانيين الأتراك - فلو أخذت الدولة بالحزم بعد الفتح وعملت بصائب الفكر والرأي ، لعلمت أن بقاء تلك الممالك في حوزتها يحتاج لإيجاد جامعات تجمعها مع شعوبها فتعمد إلى وسائل تعميم لسانها - بإحداث دور علم وغيرها حتى إذا استطاعت وتسنى لها في ظرف جيل أو جيلين أن تعمم لسانها - كان لها إحدى العوامل الكبرى للبقاء ولعدم سرعة الانفصال والتفكك ! إذ يكونون أتراكا باللسان مثلا ، أو بالدعوة الدينية كما يفعل اليوم دول الاستعمار ببث المبشرين من الإنجيليين والرهبان وبتشييدهم « دور العلم » . فإذا انتشرت الدعوة الدينية ، وقبلتها الأمة المستعمرة اشتركوا بجامعة ثانية وهي اللسان والدين فكان الارتباط أشد وأوثق .