سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
165
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
مثرٍ كان يتساوى في مسكنه ومأكله وملبسه مع أفراد قبيلة وعشيرته ، فلا تتحدث نفسَ من ذلك المجموع بأدنى حاسة من الحسد ، أو داع يدعوه إلى الانتقام . ثم جاء الإسلام ، فكان أكبرهم منصبا وهو الخليفة لرسول الله يعمل بسيرة نبيِّه من الاكتفاء بالقليل من العيش والكفاف منه ومجالسة الفقراء ومشاركتهم بكل معنى الاشتراك في مظاهر الحياة الدنيا ونعيمها . لقائل أن يقول إن شظف العيش في زمن النبي المصطفى وخلفائه كان يدعو بطبيعة الأمر إلى عدم التحاسد . فنقول : إن الفتح الإسلامي في زمن أبي بكر الصديق بلغ من الممالك مبلغا عظيما وجاء بالمغانم الكثيرة ومع ذلك لا نرى أن وضعية الخليفة أبي بكر قد تغيرت ولا مظاهر وزرائه ، وقواده تبدلت ولا شكل حياة من أثرى من متجرة العرب قد ظهر فيهم شيئا يلفت نظر حاسد ، أو يجعل في نفوس غيرهم أقل غصة . « ولا ريب أن الفتوحات في زمن الفاروق عمر بن الخطاب قد امتدت فصارت أوصع نطاقا ، والمغانم أعظم وفرا . والنفوس البشرية مع هذه العوامل قلّ ما تنجو من تطلع للسرف والترف ومهيئات الاستطالة والأنانية ( وقد توفرت أسبابها ) وبالفعل ورغما عن قرب العهد بسيرة الشارع وخليفته أبي بكر وتمسك الفاروق بسيرتيهما ، فقد أتته الأنباء الصادقة ممن بثه لمراقبة سير وسيرة عماله بأنه قد فشت لعامل مصر « عمرو بن العاص » وعامله في دمشق « معاوية بن أبي سفيان » وغيرهما من العمال في العراق وغيره هيئة بذخ وسرف وثراء ، فخشي معه حصول ميزة الأكاسرة لأولئك الأفراد من العمال ، الخادمين للمجموع ويصرفون سلطان الحكم ونفوذه بغير وجوه الحق فتدب النفرة على سبيل التدريج إلى نفوس الأمة من حكامها وبالأخير ، تنقبض تلك النفوس عن الطاعة الاختيارية وتفقد الثقة ويضعف الإيمان ويتزلزل البنيان ويعم البلاء ( والعياذ بالله ) . فأسرع الفاروق لملافاة ذلك الخلل بتقريع عماله بأخشن الأقوال - عظة وتحذيرا وقتلا للغرور - فخاطب عامله في مصر بقوله : « إلى العاص بن العاصي ، ما أقطعتك مصر طعمة لك ولقومك . وبمثل قوله له : « لا تبالي أن تحيا أنت ومن معك ، أن أموت أنا ومن معي . . » وبمثل قوله : « متى كان ابن العاص في مثل ما بلغني عنه من ثراء ودور وقصور ؟ وبما معناه إلخ » . وهكذا خاطب عامله في الشام .