سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

133

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

عليها وهم لها في الأخير تاركون ، وإلى جوفها داخلون ، فما أحرى بالإنسان أن يعيش مع أخيه فوق أديمها - وهو رفات العباد - بصحيح الإخاء وشيء من الهناء ، ريثما يدرك الجميع الفناء . « ومما يزيد في الدهشة والحيرة ، أن الحروب وويلاتها لا يحتاج في توقيفها وإبطالها إلا توقف الأمة عن إجابة الداعي إليها وطلب الرجوع إلى العدل المطلق مع تحكيم الإنصاف المحض ، فإذا فعلت ذلك كل أمة ( ولو أهاجها ملكها أو هوّل عليها أميرها ، أو وزراؤها ، ورؤساؤها ) فبمن يقاتلون ؟ والأمة محجمة عن الحرب ، لا ترضى بالقتال وتطلب تحكيم العقل والعدل ، وهل يرى المسيطرون غير ترك الطمع مخرجا من ذلك الموقف الحرج ؟ وهل يستطيعون غير ترك الضعفاء يأخذون حقهم بقوة الحق - بلى - لاينقذهم غير ذلك . « نعم إن عدم إجابة الأمم لداعي الحرب واتفاقها على تحكيم العقل والعدل فيما فيه يختلفون ، هو الذي يكفي البشر شر الحروب والقتال ويجعل الخلق في سلام دائم وهناء مقيم . « هناك يصح أن يقال : إن البشر أو بني آدم قد تعلموا وحصل لهم مكتسبات علمية ، أو على اصطلاحكم « تمدنوا ! » ليس بمعنى أنهم تركوا القفر وعمروا المدن وسكنوها - كلا - بل بصحيح العلم الذي إنما يكون له قدر على نسبة ما يترتب عليه من الفائدة » . ثم قال : « وأعظم ما يبعث على الأمل في إبطال الحروب إذا ارتقى العالم الإنساني في حقيقة العلم وعم طبقاته ، أنك لو أخذت اليوم عموم عساكر بريطانيا وتخيلتهم حقيقة مثل « نيوتون » و « دروين » وغيرهما وفرنسا مثل « باستور » وأمثالهم من باقي الأمم ، فهل يقفون صفوفا للاقتتلا ، لعدم احترام سفير ؛ لأن كرسيه وضع في المأدبة الملوكية في غير الموضع الذي يريده ! وهل يريقون دماء مئات الألوف من تلك الأنفس الزكية لذلك ، أو لأجل بقعة من الأرض يطمعون بضمها للمملكة أو ليستعمرونها . قال : « لا أظن ! ولا تظنون ذلك ! ولا هم يفعلون ! »