سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني وآخرين
85
ضياء الخافقين
أحوال فارس الحاضرة إنّ لصراخ الفارس دويّا آفاق الأرض . قد أقفرت البلاد وبارت الأرضي وغارت الأنهار وتبدّد الناس في شاسعات الأقطار شذر مذر . إنّ سواد العراق ومدُن القفقاز وأمصار ما وراء النهر وقُرى الخوارزم وقصبات بين النهرين غصت بوجوه غبرة . ذراري الأمائل وسلالة الأفاضل يكدّون آناء الليل وأطراف النهار في أعمال خسيسة وحرف دنيئة تأنف منها الفوس وتعاف منها البطاع . إنّ إيران بسعتها قد ضافت على أنبائها ، ونبت بأهلها ، وليس في تلك البسيطة الرحبة إلّاأختصاص حقيرة وأكنان صغيرة ودور حرجة يستكنّها شعث غبر رثّ الثياب كأنّهم ينازعون الموت ويراقبون الأجل . الجور قد تمثّل في تلك البلاد سلطاناً قاهراً لا يُحدّ طوره ولايُسبر غوره ، والقسوة برزت بصورة بشعة وهيئات شنيعة تقشعر منها الجلود . جدع الأنوف وقطع الآذان وشقّ البطون وجزّ الرؤوس أعمال عاديّة وأفعال يومية لا يستغرب منها السامع ولا يستبشعها الرائي . ودونها فظائع تأبي النفوس البشرية عن استماعها وتجم دون ذكرها وتضطرب حياء وخشيةً كلّما خطرت في لوح خيالها . الحكومة قهرت الشرع فأبادته وكرهت النظام المدني فمجتّه وازدرت بناموس العقل والفطرة فطمسته . فلا يسود فيها إلّا الهوس ولا يأمر إلّاالشره ولا يقوم بالأمر إلّاالقهر والزور ولا يحكم إلّاالسيف والكيّ والسوط . يلذّها سفك الدماء وتباهي بتهك الأعراض وتعجب باستلاب أموال الأرامل والأيتام . فلا أمان في تلك البلاد ، وإنّ قاطنيها لا يرون وسيلةً لصون الحياة من أنياب الظلم القاهر إلّاالفرار . قد هرب خُمس الإيرانيين إلى الممالك العثمانيّة والبلاد الروسيّة ، وتراهم يجولون في الأزقّة والأسواق بين حمّال وكنّاس وزبّال وسقّا . وهم برثة ثيابهم وكلوحة وجوهم وخساسة حرفتهم يستبشرون بالنجاة ويشكرون اللَّه على بقية الحياة . . . لا حَدّ في