سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني وآخرين

70

ضياء الخافقين

ثم إن الغرب قد نضح بالكيس وانفجرت فيه عيون الحذق وسالت أودية العرفان فطمي فطفح ففاش سيلًا عرمرماً أطبق الشرق وكظّت به شعابه وغيرانه ونفذ في زوايا الإختصاص وصعد إلى شواهق القصور . وتمثل في أوعية حاجاته أشكالا وبرز في مرايا أمانيه صورا وألونا فتشابكا وتلاصقا وامتزجا حتّى صار كلٌّ عنصراً لا يتقوّم الآخر في كيانه إلا به ولا يستوي في بقائه إلّاعليه إلّاأنّ الغرب في سلطانه قيّوم يقسره الطبع أن يدفع آثاراً يطاوعه الشرق فيها على اختلاف سليقته وتنوّع صيغته وهو في تململ حسرةً على استقلاله ، وكيف لا وإنّ التبجّح يتبع الرضى وقد عدمه المضطّر في أطوار ما سبقها في تلبّسه اختيارٌ يتزح به . . . وإن الغرب في حثيث سيره لا يفاجئه في أكناف الشرق إلّاتماثيل متقطبة تجبهه بفظاظتها وأشباح متعبسة تنخسه بغلظتها فيستشيط حنقاً ويتوقّد غيظا زعماً منه أن قد حمل إليه خيراً كثيرا فعليه أن يتلقّاه بالبشر والبشاشة . فيستبدل الرفق بالقسوه واللين بالخشونة وجميل الصنع بالقهر . . . وليس لتلك الغلظة وتلك القسوة من علّة إلّاالجهل بأسباب قضت على كل بما يحقّ له ما داوم طوره ولازم شأنه . وضلّ كلّ عن الوسائل التي ترضى بها النفوس في مزاجها وقد ساقتها شؤونها إليه وقسرتها فواعل الطبيعة عليه فهي لا تزال في رباطها هذا في تضارب وتنافر وتشاجر . لا الرئاسة تُرضي السائدة منها ولا ضرورة الحاجة تُريح الأخرى . وإن الأمة الإنجليزية لما وشجت عروقها بأرومات الشرق أكثر من الآخرين كان ضجرها أشدّ والنكير عليها أعظم . فساقتها التدافعات العنيفة إلى وسيلة بها وحدها تهدأ الخواطر وتطمئن القلوب ، وإليها ترفع الأفكار تناقضاتها ابتغاء لوجهة الحقّ الذي بها يخلص عن شرب الباطل ويتقشع دونه أوهام تنبثق من الرجل والشره فتبعث على السخط . . . وتلك الوسيلة التي يبين كل من الشرق والغرب ما طوته سريرته فتبعتها سيرته ويكشف كلّ عن علل دفعته إلى التواصل واضطرته عليه . ويعرض جليا على الآخر دواعي النفور والحنق في رباط حكمت به الطبيعة في سيرها . . . فقامت جماعة في الأمّة الإنجليزية بإنشاء جريدة باللغة