سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني وآخرين

108

ضياء الخافقين

العلم والمال العلم وما أدراك ما العلم كنز يحرس صاحبه ، والمال كنز يحرسه صاحبه والعلم يزكو على الإنفاق والمال ينفد على الإطلاق والعلم يعطيه صاحبه متلذذا والمال يعطيه من يعطيه متألما . قال أحد العلماء : لو أعطي لي العلم والحكمة على شرط أن لا أنشرهما ما قبلتهما . والعلم فوق سلطان الدهر يبقى على حدثائه والمال تحت سلطان الدهر وحكم الصدفة ينتقل من مكانه . ولقد استولى أحد الملوك على بلد ما وكان بها عالم فقد في القتلى زوجته وأولاده واحترق بيته وماله فرأى العسكر عليه خلاف ما يرونه على وجه من أصيب بمصيبة فأخذوه إلى الملك فسأله عما فقد فقال : ما فقدت شيئا ، إن مالي بتمامه معي ، فعجب الملك بهذا الكلام وأخذ يتشكك في انتصاره وما نفعه أن غلب أمّة إذا عجز أن يغلب وأحدا . والعلم محفوظ لصاحبه بعد موته والمال تحت حكم الضياع في حياته وكم من قهّار طار صيته في المشرق والمغرب وغيّر بفتوحاته الألسن والعواته وتألّه بجبروته واستعبد الناس برهبتة لم يبق في صحيفة الدهر من اسمه إلّابعض ما تركته أرضَة الفناء من نقاط واسم أبي حنيفة والغزالي يسطعان ويلمعان على جبهة الزمان لا يفنيان ولو شاب الفتيان وإن بقيت تلك النقاط من اسم ذلك القهار فهي أيضا من بعض فضل العلم ، والعلم إذا زاد أفاد والمال إذا زاد أهلك وأباد والعلم باعث على الخير والمال باعث على الشر ( كَلّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) [ العلق : 6 ، 7 ] . ويتصف بالعلم من ملك القليل منه ولا يتصف بالغنى من ملك جبالا من الذهب ، وفضل العلم بديهي يجل عن إقامة البرهان ولو وُجد إنسان وخالف في ذلك وروّج أقاويل في تفضيل شيء عليه فقد فضل العلم وهو لا يدرى . ( ستأتي البقية )