سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

81

رسائل في الفلسفة والعرفان

3 - القضاء والقدر مضت سنّة اللَّه في خلقه : بأنّ للعقائد القلبيّة سلطاناً على الأعمال البدنيّة ، فما يكون في الأعمال من صلاح أو فساد ، فإنّما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها على ما بيّنا في بعض الأعداد الماضية [ 1 ] ، وربّ عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار ، فيتبعها عقائد ومدركات أُخرى ، ثمّ تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس ، وربّ أصل من أُصول الخير وقاعدة من قواعد الكمال ، إذا عرضت على الأنفس في تعليم أو تبليغِ شرعٍ يقع فيها الاشتباه على السامع ، فتلتبس عليه بما ليس من قبيلها ، أو تصادف عنده بعض الصفات الرديئة أو الاعتقادات الباطلة ، فيعلق بها عند الاعتقاد شيء ممّا تصادفه ، وفي كلا الحالين يتغيّر وجهها ويختلف أثرها ، وربما تتبعها عقائد فاسدة مبنيّة على الخطأ في الفهم ، أو على خبث الاستعداد ، فتنشأ عنها أعمال غير صالحة ، وذلك على غير علم من المعتقد كيف اعتقد ، ولا كيف يصرفه اعتقاده ، والمغرور بالظواهر يظنّ أنّ تلك الأعمال إنّما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل وتلك القاعدة ، ومن مثل هذا الانحراف في الفهم وقع التحريف والتبديل في بعض أُصول الأديان غالباً ، بل هو علّة البِدع في كلّ دين على الأغلب ، وكثيراً ما كان هذا الانحراف وما يتبعه من البدع ، منشأ لفساد الطباع وقبائح الأعمال ، حتى أفضى بمن ابتلاهم اللَّه به إلى الهلاك وبئس المصير ، وهذا ما يحمل بعض من لاخبرة لهم على الطعن في دين من الأديان أو عقيدة من العقائد الحقّة ؛ استناداً إلى أعمال بعض السذج المنتسبين إلى الدين أو العقيدة . من ذلك عقيدة « القضاء والقدر » التي تُعدّ من أُصول العقائد في الديانة

--> [ 1 ] من مجلّة « العروة الوثقى » الصادرة من باريس .