سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
54
رسائل في الفلسفة والعرفان
واردةتسمعهم مرّة يقولون : ثبوت الواجب بديهيّ لا يحتاج إلى البرهان ، ثمّ يعارضون منكريه [ 1 ] ، ويزعمون أنهم ينبّهون عليه ، ومرّة يقولون : بأنه نظريّ يحتاج إلى الدليل ، ويستدلّون عليه ببراهين مبنيّة على مقدّمات مسلّمة فيما بينهم يُمجُّها الذوق السليم ، وينبو عنها الفكر المستقيم ، فاسمع [ 2 ] ما ينفعك في ذلك . من المعلوم : أنّ الممكن يحتاج إلى مرجّح [ 3 ] في الوجود ؛ لما أنه ليس له من ذاته وجود ، كما سمعت في الفصل السابق ، ووجوب افتقاره إلى الموجد مستلزم لاستحالة وجوده من العدم الصِّرف . بيان الملازمة : أنّ صدور المعلول عن العلّة يستدعي نسبة خاصّة بين المعلول والعلّة [ 4 ] ؛ حتّى يصحّ صدور المعلول عن العلّة [ 5 ] إذ لو لم يكن بينهما تعلّق وارتباط ، وجميع الأشياء بالنسبة إلى العلة على السواء ، لكان صدور هذا المعلول دون بقيّة الأشياء عنها ترجّحاً [ 6 ] بلا مرجّح ، وهو محال ، وأيضاً لو لم يكن بينهما نسبة لكانا متباينين تبايناً تامّاً ، فلو وجد المعلول لوجد بدون ربط بينه وبين آخر ، فقد وجد بدون موجِد . هذا خُلْف .
--> [ 1 ] في الأصل : يعارضون مع منكريه . [ 2 ] في الأصل : « فأنفع سمع » ، الأصح ما أثبتناه من نسخة أخرى . [ 3 ] في بعض النسخ : « المرجّح » . [ 4 ] تجنّباً للتكرار ينبغي أن تكون العبارة هكذا : يستدعي نسبة خاصّة بينهما . [ 5 ] الكلمة غير واضحة ، فأثبتناه استظهاراً . [ 6 ] في الأصل : « ترجح » ، والصحيح ما أثبتناه .