سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
51
رسائل في الفلسفة والعرفان
واردةكثيراً ما قرع سمعك لفظ « الممكن » ، وكأنّك ما فهمت مدلوله ، أو شنَّفوا سمعك : بأنّ الممكن ما يحتاج إلى غيره في الوجود ، أو ما لا يترجّح وجوده على عدمه إلّابمرجِّح ، ونحو ذلك من الألفاظ المترادفة ، لكنّك لا تدري خارج هذا المفهوم ، كسامع لفظ « الماهيّة » لا يدري على أيّ الأفراد صدقت ، فسفينة فكره في بحر التعيين غرقت ، فاسمع قولًا قليلًا في ذلك : لعلّك تدري أنّ المقيّد ذات مطلقة ، قد ضُمّ إلى تلك الذات قيد ، فالمقيّد أمر مركّب من قيد وذات مطلقة قيّدت بذلك القيد ، فللقيد مفهوم ، وللمقيّد مفهوم ، ولكلٍّ ما صدق ، وللمجموع ما صدق ، ولا يصحّ اتّحاد شيء منها مع الآخر في الما صدق أو المفهوم وإلّا لما صحّ التقييد ؛ إذ لسنا نعني بالقيد الوصف الصادق ، كالناطق في الحيوان الناطق ، بل نعني به مبدأ ذلك الوصف ، الذي يعبّرون عنه : تارة بمبدأ الاشتقاق ، وتارة بالوصف القائم ، فإذا نظرت إلى نفس القيد ونفس الذات المطلقة وجدت كلّاً منهما مستقلّاً بالثبوت بالنسبة إلى المجموع ، أي لو قطعت النظر عن تركّبهما لوجدت لكلٍ ثبوتاً في نفسه مفهوماً وما صدقاً ، وإذا نظرت إلى الكلّ المركّب منهما - وهو الذي تسمّيه بالمقيّد - نظراً ذاتياً ، مقطوعاً فيه النظر عن شيء من الذات والقيد ، لم يكن له ثبوت [ 1 ] في ذاته ؛ إذ متى قطع النظر عن شيء من الذات المطلقة وقيدها ، فقد انعدم المركّب ؛ لانعدام الكلّ بانعدام شيء من أجزائه ، فإذن المجموع محتاج في تحقّقه إلى كلٍّ من المطلق ، والمقيّد وانضمام كلٍّ منهما إلى الآخر ، بل ليس المركّب إلّاعبارة عن هذا ، فليس ثبوته إلّا ثبوت كلٍّ مع
--> [ 1 ] في الأصل : « ثبوتاً » ، والصحيح ما أثبتناه .