سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

22

رسائل في الفلسفة والعرفان

اعتزالي سيناويتظهر في رسالة « القضاء والقدر » ( 61 - 72 ) النزعة الصدامية والمبادئ الاعتزالية في ايديولوجيا الأفغاني ؛ إذ هو يدافع عن عقيدة يقول هو نفسه عنها انها « تعد من أصول العقائد في الديانة الاسلامية الحقة » ( ص 64 ) . فيرفض « لغط المغفلين من الإفرنج » ، ويرمي بأقوالهم فيها إلى سلة الظنون ، والمزاعم . الأهمّ لنا هنا ليس عرض تلك العقيدة أو التصورات ؛ فلا شك عندي في أن جمال‌الدين - وهو اعتزالي وسيناوي - يتدبر جيّدا أهمية الشروط الموضوعية أو البيولوجية والمجتمع مثلما التاريخ في تكوين الأنا . ولعل الفلسفة ، والعلوم ، في الزمن الحاضر وفي المستقبليات ، تساعدنا على الاقرار بدور ما للذات الفاعلة أو لعقل الانسان وللحرية النسبية ، في التفاعل مع العوامل الخارجية وعلى أكثر من صعيد ( قا : تحديد المعتزلة لدور الشرع والعقل في الانتاج والقديم ) . يبقى ان ما يقوله الأفغاني ، في هذه الرسالة ، توضيحيا ويؤكد لي ان احكام بعض الجارحين على الفكرة المذكورة ليست دقيقة بقدر ما هي من قبيل القول الغرضي والمختلق ، أو التخيلي والمتحرك باللاتعاطف والنقص في المحبة واحترام الانسان ( را : قول سبينوزا ، أو هيغل ، في الايمان بالقدر والمكتوب عند اليونان والمسلمين والمسيحيين ) . لكأن هذه الرسالة للافغاني ، وحتى رسالة « العلم وتأثيره في الإرادة والاختيار » ( ص 91 - 112 ) ذات وظيفة دفاعية هجومية ؛ ومن ثم فنحن هنا امام بدايات ردود الفلسفة الاسلامية المعاصرة ، على الفلسفة الأوروبية في استمرارها للفكر اللاتيني - الوسيطي . يحمل الأفغاني بشدّة على « من وكّلوا أنفسهم إلى التوكّل الكاذب . » فذوو « البطالات ومن رفضوا الأسباب » مرفوضون ( فلسفة الصناعة ، ص 87 - 88 ) ؛ ويبدو جليّا انه فسّر الوضع الحضاري الحالي للانسان بالتطور من حال بدائية ( 81 - 84 ) . كما أنه بيّن وأثبت ان « الانسان نوع من أنواع الحيوانات الأرضية . . . . ( وكان ) يتفيّأ ظلال الأشجار ، ويستكن في الحجر والأوكار » ( م . ع . ص 81 ) . يعني هذا القول التاريخي في الانسان ، عند جمال‌الدين ، ثقة بالعقل البشري وقدرته على