مجموعة مؤلفين

372

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

وإن حياتنا اليومية تترجم بصراحة ووضوح عن انحراف هذه النظريات إذ نحن نعيش في مجتمعات تكون فيها الطبقة العاملة في صراع مستمر مع الطبقات الأخرى ، وفي حروب ونزاعات لا هوادة فيها . ولا يوجد في مجتمعاتنا الحاضرة المنحرفة أي تماسك أو تلاحم فيما بينها ، وذلك لأن دعامة الوحدة ابتعدت عن القلوب والأرواح بابتعاد الناس عن الاعتصام بحبل اللّه الذي لا انفصام له . وفي ضوء الانقياد لأوامر اللّه سبحانه وتعالى يمكننا أن نفهم حقيقة تلك الطبقة العاملة التي وصفها الامام الطاهر علي بن أبي طالب عليه السّلام في كتابه « نهج البلاغة » ورأى رؤية صادقة صائبة على أنها ذو مكانة رفيعة ودور فعّال في وقاية المجتمع . نعم ، إن الإمام عليا عليه السّلام يقتبس آراءه وتعابيره من الكتاب المقدّس ، ويستنير من نور خاتم الأنبياء محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبما أن القرآن الكريم هو « القول الفصل » وأن الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلّم « لا ينطق عن الهوى » فإن كل من يسير على هذا الدرب ، ويتكلّم عن لغة القرآن ويتمسك بتعاليم السنة النبوية الشريفة يتّصف حتما بصفات الصدق والإخلاص مثلما هي الحال لذلك الإمام الجليل الذي قال عنه نبيّنا الأعظم صلى اللّه عليه وسلّم بأنه « باب مدينة العلم » . ولإدراك فحوى هذه الحقائق التي تتجلى في طيّات « نهج البلاغة » لابدّ وأن نعرف بأن « العاملين » في منظور الإمام علي عليه السّلام يتصفون بأوصاف أوّلها الإيمان وثانيها الإخلاص وثالثها التقوى . فلنستمع إلى قوله عليه السّلام : « . . . وإني لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، سيماهم سيما الصدّيقين ، وكلامهم كلام الأبرار ، عمّار الليل ، ومنار النهار . . . لا يستكبرون ، ولا يعلون ، ولا يغلون ، ولا يفسدون ، قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل » . وهكذا يناشد الإمام عليه السّلام بالعدالة الاجتماعية في جميع جوانبها وفي مختلف مظاهرها فيقول : « وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلّا بهم ، لأن الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأنّ ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلّا قليلا . » . ثم يوصي قائلا : « ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم ، من المساكين والمحتاجين