مجموعة مؤلفين

370

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

مالك بن الحارث الأشتر النخعي ، لما ولاّه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر : « واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلّا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض : فمنها جنود اللّه ، ومنها كتاب العامة والخاصة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمّال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ، ومنها التّجار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكل قد سمى اللّه له سهمه ، ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيهّ - صلى اللّه عليه وآله وسلّم - عهدا منه عندنا محفوظا . فالجنود ، بإذن اللّه ، حصون الرعية ، وزين الولاة ، وعزّ الدين ، وسبل الأمن ، وليس تقوم الرعية إلّا بهم . ثمّ لا قوام للجنود إلّا بما يخرج اللّه لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوّهم ، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم . ثم لا قوام لهذين الصنفين إلّا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتّاب ، لما يحكمون من المعاقد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور وعوامّها . ولا قوام لهم جميعا إلّا بالتّجار وذوي الصناعات ، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقّ رفدهم ومعونتهم . وفي اللّه لكل سعة ، ولكل على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه ، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللّه من ذلك إلّا بالاهتمام والاستعانة باللهّ ، وتوطين نفسه على لزوم الحق ، والصبر عليه فيما خفّ عليه أو ثقل » . كما يقول الإمام علي عليه السّلام أيضا : « ثم أستوص بالتّجار وذوي الصناعات ، وأوص بهم خيرا : المقيم منهم والمضطرب بماله ، والمترفق ببدنه ، فإنهم مواد المنافع ، وأسباب المرافق ، وجلّابها من المباعد والمطارح . . . فامنع من الاحتكار ، فان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلم - منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا : بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع . فمن قارف حكرة بعد نهيك إياّه فنكلّ به ، وعاقبه في غير اسراف . » ومن هنا يظهر جليا من خلال « نهج البلاغة » على أن للطبقة العاملة مكانة كبرى في وقاية المجتمع ، لأن الإمام عليه السّلام يراها كقوام للأصناف الأخزى في داخل المجتمع ، وسندا له لا يقوم إلّا بها . وهم « أسباب المرافق ، وجلّابها من المباعد » وهكذا تشارك الطبقة العاملة في وقاية المجتمع من الآفات الاجتماعية التي هي أكثر خطرا من الأوبئة الفتّاكة . وعليه ، نرى أن العمل ، طبقا لترتيبات الشريعة الاسلامية ، يساهم كثيرا في تحرير الفرد بل في تحرير المجتمع من آفات الفقر ، وعاهات الفاقة . والإسلام ، كما يمكن ملاحظته ، قد سبق المذاهب الهدامة والمختلفة مثل الماركسية وما شاكلها في