مجموعة مؤلفين

357

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه . » ( الملك 15 ) والأحاديث النبوية التي تحض على العمل كثيرة جدا ، بل إن بعضها ليعده ضربا من الجهاد في سبيل اللّه ، فقد روى الطبراني والبيهقي ان رجلا مر برسول اللّه ( ص ) ، فرأى أصحاب رسول اللّه من جلده ونشاطه ، فقالوا : يا رسول اللّه ، لو كان هذا في سبيل اللّه ، فقال لهم الرسول : ان كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل اللّه ، وان كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اللّه ، إلى آخر ما جاء في الحديث . وللعمل في الاسلام حوافز نفسية وانسانية ، فهو لم يحرم على المسلمين الملكية الفردية كما فعلت الماركسية في مجالها النظري ، ولكنه لم يتح أيضا لها من الحرية ما يجعلها اذى وضررا للمجتمع ، كما فعلت الرأسمالية ، والأساس النظري للملكية في الاسلام ان الانسان نفسه لا يملك شيئا ، لان الملك كله للهّ وحده ، فهو رب العالمين ، ومالك كل شيء ، ولكنه يستخلف عليه اناسيّ ليقوموا به ، ويتصرفوا فيه بوحي من العقيدة الدينية السليمة ، آمِنُوا باِللهِّ وَرسَوُلهِِ وَأَنْفِقُوا ( الحديد 7 ) وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رزِقْهُُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ ( الطلاق 7 ) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى ( النور 33 ) . واذن ، فان الملكية الفردية ليست امتيازا ، كما في الرأسمالية ، بل هي تبعة يسأل عنها الانسان امام الدولة ، وامام ضميره الديني ، فما بين يديه ملك له في الحدود التي يسمح بها اللّه ، وهو في نفس الوقت ليس له ، لأنه ملك اللّه الذي يراه ، ويراقبه ، ولا ينام له طرف . ومن اجل ذلك ينكر الاسلام أن تتحول هذه الملكية إلى هوس يؤدّي بصاحبه ، يجمع المال ويحرم منه المجتمع ، ويسلك في الكسب مسلك الغش ، والخديعة ، والكذب ، وظلم الانسان ، ومن ههنا حرّم الربا في شتى صوره ، ومختلف اشكاله ، وقاوم الاحتكار ، وعنّف الغشاشين ، ودعا إلى إقامة الوزن بالقسط ، وحرم الكسب الذي لا يراعي تعاليمه ، فلا يجوز الاتجار في المخدرات ، والمسكرات وما إليها . هذه الصور السلبية من المحرمات تقف حيالها صور أخرى من الايجابيات تدعوا إلى مشاطرة المال واقتسامه ، وتبارك الصدقات ، وتحيل الملكية إلى « خير » لا شر فيه ، إذ يجب أن يكون العطاء خاليا من الأذى ، نقيا من المن ، جالبا للأجر والمثوبة . وفوق هذا كله تبقى الملكية الفردية في حدود الاخلاق الاسلامية ، ولهذا لا يسعى المالك في كسبه إلى الربح كيفما كان ، بل لا بد له أن يسعى إلى « خير » المجتمع ، ويجتنب « شره » ، اي لا بد له ان يسعى إلى تأمين حاجاته ، وان يكف عما لا حاجة به