مجموعة مؤلفين
355
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
حالت بينه وبين السماء ، فإذا أطعمته وامنت له مستقبلا ماديا فان ذلك جاء على حساب مثله وروحه وديانته حتى ليمكن القول : إنّها حولته إلى جسد صرف . الحل الرأسمالي : على أن الحل الرأسمالي ليس خيرا من الحل الاشتراكي ، بل لعله ان يكون في طبيعته أكثر خصبا لنمو الفقر وتشعب فروعه ، إذ يقوم على فلسفة فكرية واقتصادية ترد الفقر إلى أسباب ذاتية لا اجتماعية ، فوسائل الانتاج كما تراها متاحة لكل فرد ، ومنافذ العمل متعددة ومفتوحة امام الجميع ، وحرية الاختيار ليست مراقبة ولا موكولة إلى دولة ديكتاتورية ، فإذا افتقر انسان في هذه الظروف الميسرة له فان فقره يعود إلى ضعف فيه ، أو قصور في مداركه . ولا شك ان هذه الفلسفة لا تقوم على مرتكز موضوعي صحيح ، ذلك ان إتاحة وسائل الانتاج ليست في الحقيقة ميسرة للجميع ، بل لا تتيسر الا لمن يملك المال ، وحينئذ يصبح الفقير العامل تحت سيطرة رب العمل ، ويفرض عليه ضروب العسف والاستغلال ما يلائم مصلحته ، وههنا ينجم التصدع بين شقي المجتمع : الشق العامل ، والشق المستثمر . وينتهي هذا التصدع إلى التفاوت في أساليب العيش ، فهناك الفقير الذي لا يجد بين يديه ما يكفيه ، ويكفي حاجات عياله ، وهناك الثري الذي يفتّن بالبذخ والتبذير ، والترف . وتنشأ من جراء ذلك طبقة الأثرياء المتخمين وطبقة الفقراء المعدمين . على أن الدول الرأسمالية الصناعية اضطرب في النهاية تحت ضغط الاشتراكية العالمية إلى وضع نظام الضمان الاجتماعي ، وسوف ينجلي لنا في فقرات هذا البحث . ولعل أسوأ ما تحمله تناقضات الرأسمالية هو تلك الحرية السائبة التي لا تؤول إلى غير الطمع ، والمزيد من الأرباح ، وبهذا يكون الدافع إلى العمل طلاب الربح ، لا تأمين الحاجات ويؤدى هذا إلى البحث عن أسواق خارجية ، بحيث ينتقل الضرر من اطار البلد أو الوطن إلى أطر أبعد منه فيصيب الجار القريب ، والنائي البعيد . وهذا نفسه يتيح لصاحب الملكية ان يتمتع بحق اقتصادي لا يخلو من غرابة ، هو استعمال ما يملكه ، وسوء استعماله إذا شاءت مصالحه الشخصية ، « ومن هذا المنطلق