مجموعة مؤلفين

350

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

كأن يكون مقعدا ، أو مصابا بلوثة ، أو فيه عاهة تحول بينه وبين كسب قوته ، وهناك فقير سليم الجسم ، ولكن عمله لا يدر عليه من الربح ما يكفيه ، ويكفي عياله ، غير أنه يتعفف ، ولا يظهر من أسباب الفاقة والعوز ما يلفت اليه الانظار ، وهناك فقير سدت في وجهه سبل العمل في موطنه ، ويرجع فقره إلى تخلخل الحياة والمجتمع ، وضيق المنافذ إلى الرزق . . . ( 1 ) وإذا عدنا إلى معجم الفقه الاسلامي وضع بين أيدينا مفهوما قريبا من مفهوم الحياة الاجتماعية ، إذ ليس للفقر فيه مفهوم مطلق ، بل يحدده مستوى الحياة المعيشة ، فالفقير في نظر الاسلام هو الذي « لم يظفر بمستوي من المعيشة يمكنه من اشباع حاجاته الضرورية ، وحاجاته الكمالية ، بالقدر الذي تسمح به حدود الثروة في البلاد . أو هو من يعيش في مستوى تفصله فيه هوة عميقة عن المستوى المعيشي للأثرياء في المجتمع » . ( 2 ) اضرار الفقر : وما أراني في حاجة إلى الاطناب في الحديث عن اذى الفقر وضرره ، وحسبي ان المّ بها المامة العابر ، مشيرا إليها ، لا باحثا ولا مفصلا ، فهو من حيث الضرر الخلقي يملأ النفس ضغائن واحقادا ، ويزرع فيها بذور التمرد والتشرد ، أو يسوق إليها دواعي الضياع فتستسهل بيع الجسد والكرامة ، إلى جانب سقطات أخرى لعل أهمها ضعف التربية العام ، فالرجل - كما جاء في الأثر - « إذا غرم حدّث فكذب ، ووعد فاخلف » . على أن هناك طائفة من الناس يتصونون ، ويتعففون ، ولا يأكلون بثديهم وان جاعوا ، بل « يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف » بيد انهم - إلى ذلك - لا تسلم نفوسهم من ضرر آخر ، ينتج عن تخلخل المجتمع ، واضطراب موازينه ، لعل أقله اذى القنوط ، والشعور بالنقص ، وكبت الرغبات ، ووأد النزعات في الصدور ، وتضخم الحسد . اما اضرار الفقر الصحية والجسدية فليست خافية على أحد ، فالعلاقة بين تنوع الغذاء والقوى العقلية والعضلية غير خافية ، كما أن الاضرار الجسدية الناجمة عن قلة الغذاء أشهر من أن تشرح ، فمنها فقر الدم ، وتخلف الذهن ، وتدهور الصحة العامة ، أضف

--> ( 1 ) ويعبّر عن ذلك في لسان الفقهاء بأنهّ من لا يملك قوت سنته وما يلبّي حاجاته الّتي تليق بحاله وتتناسب مع دوره الفاعل ومسئولياته في الحياة الاجتماعيّة بصورة عامّة . . . ( 2 ) باقر الصدر . اقتصادنا . ص : 631 . دار الفكر . الطبعة السادسة 1394 - 1974