مجموعة مؤلفين

287

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

امتحان لسماحة الأغنياء وشكرهم وعدم تعلقهم بالدنيا ومادياتها . كما أن وجود الأغنياء هو امتحان لعفة الفقراء وعزتهم ، فكم من فقير بالمال غني بالنفس ، وكما قال سبحانه : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ( البقرة - 273 ) . وهو سبحانه في كلا الحالين عادل في حكمه . يقول الإمام علي ( ع ) : « فانّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم ، بأوليائه المستضعفين في أعينهم » ( الخطبة 190 نهج ) . وقال ( ع ) : « وقدّر الارزاق فكثّرها وقلّلها ، وقسّمها على الضيق والسعة ، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها » ( الخطبة 89 نهج ) وبما أن كلا من الغنى والفقر امتحان ، فعلى الغني أن يحذر الغني الذي صار فيه ، ويفهم أنه استدراج وامتحان ، تماما كما على الفقير أن يتحسب من فقره ، ويعلم أنه ابتلاء واختبار . يقول الإمام علي ( ع ) : « وربّ منعم عليه مستدرج بالنّعمى ، وربّ مبتلى مصنوع له بالبلوى » ( أي أن بليتّه هي معروف أسداه اللّه اليه ) ( الحكمة 273 نهج ) . وقال ( ع ) : « أيها الناس ، ليركم اللّه من النعمة وجلين ، كما يراكم من النقمة فرقين ( أي فزعين ) إنه من وسّع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا ، ومن ضيّق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا » ( الحكمة 358 نهج ) . وتساور الشكوك المؤمن الضعيف الايمان ، في سبب ابتلائه بالفقر دون الغنى ، ولو علم أن تبعة الغني أشد وطأة من الفقر لما طلب غير ما قدّر اللّه له . وفي الحقيقة ان اللّه سبحانه بميزان عدله وبوافر علمه ، يختار ما فيه الصلاح لعبده . فإن كان العبد مؤمنا أفقره لعلمه بأن غناه سيخرجه عن تقواه ، أو أغناه لعلمه بأن فقره سيخرجه عن طاعته . وقد قال النبي : « لو اطلعت على الغيب لاخترت الواقع » . ومن يدري أن اللّه قد يبتلي المؤمن بالعسر والبلاء ليكون صبره عليه كفارة لذنوبه ، حتى يلقى اللّه تعالى وما عليه خطيئة . أما الكافر الذي أقام الله عليه الحجة مرارا وتكرارا ، وهو يرتع في كفره وعناده ، فإنه يمتحنه بالغنى ليزيده كفرا ، أو بالفقر ليزيده إثما ، مصداقا لقوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( آل عمران - 178 ) . ولقوله جلّ من قائل : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( البقرة - 15 )