مجموعة مؤلفين

279

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

المال مال الله تنطلق نظرة الاسلام إلى المال من حقيقة عميقة ، وهي أن المال هو في الأصل مال اللّه ، وكل مال في أيدينا قد أعطاه اللّه لنا على نحو التوكيل وليس التمليك . فالمؤمن موظف على ماله ليستخدمه فيما أمر اللّه وأراد ، فإذا هو لم يستخدمه وفق ذلك فقد أساء التصرف ، وعلى الجماعة المسلمة ممثلة في الحاكم الشرعي أن تحجر عليه ، وتمنعه من التصرف به ، وتقيم على المال وكيلا عنه . وبهذه الطريقة لا يفسح الاسلام للمال أن يستخدم في الظلم والاستغلال والباطل . فالشرع يحمي المالك طالما هو ينفذ الخطة الإلهية المرسومة له ، فإذا هو شذّ عن ذلك نزع حمايته عنه . المال وسيلة وليس غاية : ومن هذه النظرية الرفيعة لوظيفة المال يتبين أن الاسلام يعتبر المال وسيلة لا غاية ، فهو في الدرجة الأولى وسيلة للاكتفاء الشخصي حتى لا يحتاج الانسان إلى سواه ، وهو في الدرجة الثانية وسيلة لبناء المجتمع السليم وتأمين الحياة الانسانية لكل فرد فيه ، في جو يتيح لكل فرد الفرص العريضة ليعمل ويجدّ ويحقق كل طاقاته ومواهبه . وعندما ينحسر دافع الدين من قلب المؤمن ، ينسى علاقته الأساسية باللهّ ، فينكبّ على جمع المال شغفا بالمال ، فلا يعود همه غير ملء حصاّلته من النقود ، فلا يبالي من أين جمع المال ولا الغاية من جمعه ، فيصبح عبدا للمادة دون أن يستفيد منها أو يفيد أحدا من المحتاجين إليها . وتنعدم قيمته في الجماعة كلما فقد المجتمع الفائدة منه ، مصداقا لقول الإمام ( ع ) : « قيمة كل امرئ ما يحسنه » . ( 1 ) وبالنسبة للمخطط التكاملي للمجتمع يعتبر مثل هذا الفرد سرطانا ، لأنه يمتص كل الطاقات من حوله ، دون أن يعطي شيئا ، فإذا لم تتلخص الجماعة منه أتى عليها . ( 2 ) لذلك حرم الاسلام الربا والاحتكار والاستغلال والجشع . ومن ذلك ما ورد في كتاب الإمام ( ع ) لمالك الأشتر حين ولاّه مصر . يقول ( ع ) : « فامنع من الاحتكار ، فان رسول اللّه ( ص ) منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا ، بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين ، من البائع والمبتاع . فمن قارف حكرة ( أي احتكارا ) بعد نهيك إياه فنكّل به ، وعاقبه في غير اسراف » ( الخطبة 292 نهج ) .

--> ( 1 ) لا نرى تناسبا بين هذه العبارة وبين ما يريد اقامتها كشاهد عليه . ( 2 ) الظاهر أن المؤلف يريد أن يقول - ان إذا لم يوضع لهذا الفرد حدّ ولم يخضع لضابطة كان سرطانا يمتصّ كلّ الطاقات من حوله دون أن يعطي شيئا ويستعمل أساليبه الجهنّمية من أجل جمع المال وتكديسه . . . فكان أن اهتمّ الاسلام بوضع الضوابط الّتي تمنع انسانا كهذا من أن يعدو طوره فحرم الاسلام الاحتكار والربا إلخ . . . وانّما قلنا انّ هذا هو مراد الكاتب لأن تحريم الاحتكار والربا إلخ . . . ليس معناه القضاء والتّخلص من ذلك الفرد . . .