مجموعة مؤلفين

237

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فعنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى : وزاد على هذا بقوله في شعره : ( تقيلت افعال الربوبية التي * عذرت بها من شك انك مربوب ) وهو ما دعا الامام الشيخ محمد عبده رحمه اللّه في مقدمة شرحه للنهج ان يقول - كلما انتقلت من موضع إلى موضع في نهج البلاغة أحس بتغير المشاهد وتحول المعاهد فتارة أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية وتدنو من القلوب الصافية توحي إليها رشادها وتقوم منها مرادها وتنفرد بها عن مداحض الزلل إلى جواد الفضل والكمال : إلى أن يقول : وأحيانا كنت اشهد ان عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الانساني فخلصه من غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الاعلى ونما به إلى مشهد النور الاجلى . . . وآنات كأني اسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة وأولياء أمر الأمة يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب ويرشدهم إلى دقاق السياسة ويهديهم طرق الكياسة ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ويصعدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير . أقول : وهل تعني هذه الأقوال من هؤلاء الرجال الاعلام ذوي الشأن والمقام في عالم الرقي الفكري والتمحيص العلمي والتوجيه الاجتماعي والتنقيب عن الحقيقة في مكمنها والكشف عن جوهريتها والحض على صيانتها إلا عن أهلها المقدرين قدرها الآوين إلى ظل نعمتها والموطنين النفس على اعتناق ايجابياتها ونبذ سلبياتها . انها ولا شك تعطينا الشاهد العدل والقول الفصل على انّ أمير المؤمنين علي عليه السلام هو لا غيره بعد النبوة المثل الاعلى للكمال الانساني والصفاء الروحي والعلم اللّدني والوارث الأول والأخير لحكمة الرسول الأعظم ( ص ) وفصل خطابه . . . وهل التقى مخلوق بخالقه . مثل ما التقى به أمير المؤمنين ( ع ) في نهج البلاغة علما وتوحيدا وتنزيها وزهدا وحكمة وصبرا وتسليما وأمرا بمعروف ونهيا عن منكر إذ كل غريبة من غرائبه وكل موعظة من مواعظه وكل حكمة من حكمه تضرب إليها آباط الإبل وتقصر في ادراكها المسافات وتستفرغ لأجلها الجيوب . ولا مشاحة ولا جدال بان من يحاول أن يعرف عليا ( ع ) من زاوية غير زاويته الخاصة المتمثلة في منطق