مجموعة مؤلفين

211

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

قصة المتكلمة بالقرآن وقد حفل تاريخنا الاسلامي العتيد بالعديد من النساء المؤمنات اللواتي التزمن بالورع والتقوى ، حتى فقن في ذلك الرجال الأتقياء . وكمثال عليهن تلك المرأة التي آثرت أن لا تتفوه بكلمة واحدة إلا من القرآن ، حتى لا تقع في خطأ أو ريب ، فسمّيت لذلك ( المتكلمة بالقرآن ) وظلت على تلك الحالة أربعين سنة . قال عبد اللّه بن المبارك : « خرجت حاجّا إلى بيت اللّه الحرام وزيارة نبيه ( ص ) ، فبينا أنا في الطريق إذا أنا بسواد . فتميزت ذاك فإذا عجوز عليها درع ( أي قميص ) من صوف وخمار . فقلت : السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . فقالت ( سلام قولا من ربّ رحيم ) . فقلت لها : رحمك اللّه ما تصنعين في هذا المكان قالت ( ومن يضلل اللّه فما له من هاد ) . فعلمت أنها ضالة عن الطريق . فقلت لها : أين تريدين قالت : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) . فعلمت أنها قضت حجّها وهي تريد بيت المقدس . فقلت لها : أنت منذكم في هذا الموضع قالت : ( ثلاث ليال سويا ) . ما أرى معك طعاما تأكلين . قالت ( هو يطمني ويسقين ) . فقلت : فبأي شيء تتوضئين قالت ( فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) . فقلت لها : إن معي طعاما فهل لك في الأكل قالت ( ثم أتمّوا الصيام إلى الليل ) . فقلت : قد أبيح لنا الافطار في السفر . قالت ( وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) . فقلت : لم لا تكلميني مثلما أكلمك قالت ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) . فقلت : فمن أي الناس أنت قالت ( ولا تقف ما ليس لك به علم ، إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا ) . فقلت : قد أخطأت فاجعليني في حلّ . قالت : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم ) . فقلت : فهل لك أن أحملك على ناقتي فتدركي القافلة قالت ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه ) . قال ابن المبارك : فأنخت الناقة . فقالت « قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم » فغضضت بصري عنها ، وقلت لها : اركبي . . . فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة ، فمزّقت ثيابها ، فقالت « وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم » . فقلت لها اركبي . قالت « سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين [ أي مطيقين ] وإنا إلى ربّنا لمنقلبون » . فأخذت بزمام الناقة ، وجعلت أسعى وأصيح ، فقالت « واقصد في مشيك واغضض من صوتك » . فجعلت أمشي رويدا رويدا وأترنم بالشعر ، فقالت « فاقرءوا ما تيسّر منه » . فقلت : لقد أوتيت