مجموعة مؤلفين
152
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
ومفتي الديار المصرية سابقا . يشهد عن خبرة وتجربة بعد إطالة النظر والفكر . وخطيب الحكمة المنادي بأعلياء الكلمة وأولياء أمر الأمة لتعريفهم مواقع الصواب وتبصيرهم مواضع الارتياب ، وارشادهم إلى دقات السياسة ، واهدائهم طرق الكياسة ، والارتفاع بهم إلى منصات الرئاسة ، وتصعيدهم شرف التدبير ، والاشراف بهم على حسن المصير » هو الذي كرم اللّه وجهه ، فلم يسجد قط لصنم ، ولم يعبد حتى في صباه غير اللّه . وهو الوحيد الذي رباه الرسول الأكرم في بيته بنفسه ، وعلمه من علمه اللدني ، فارتوى منه حتى لقبه قائلا : « أنا مدينة العلم وعلي بابه » وهو ابن عمه الذي زوجّه بأحب بناته . وهو الذي تطوع وأخذ مكانه على فراشه ليلة المؤامرة لاقتدائه بنفسه ، ولم يزل يلازمه في جل تقلباته في حله وسفره . وتكوّن بذلك على مثاله الفريد تكوينا نبويا خاصا أعدهّ ليكون له عن استحقاق بمنزلة هارون لموسى . وهو مدمّر رؤوس الكفار ورافع راية الاسلام كرم اللّه وجهه . ان الرتبة الفريدة ، - الثالثة - التي يعتليها كتاب نهج البلاغة بعد كتاب اللّه وسنة رسوله ، باعتراف جميع العلماء على اختلاف مذاهبهم ونحلهم ، كمنزلة صاحبه علي بن أبي طالب عليه السّلام من الرسول دون بقية الصحابة . لا يعرف أحد لأي كتاب آخر مثلما لنهج البلاغة من دقة النظر وصدقه وعمقه وشموليته ، ودوام صلاحية تصويراته وتحليلاته وحلوله المقترحة للناس والأشياء والحقائق والمشاكل في كل زمان ومكان . فكل جملة من جمل أغلب مواضع الكتاب تذكّر إما آية قرآنية أو حديثا نبويا كما لوضعت تلخيصا أو تفسيرا للآية أو الحديث . ان نهج البلاغة فضلا عن كونه يهدى إلى فهم القرآن والسنة الفهم الصحيح السليم ، فإنه يصلح أن يكون ميزانا توزن به السنة لتمييز الصحيح منها من المزيف . ولا غرو في ذلك ، لان صاحبه ، كرم اللّه وجهه ، كما يقول محمد عبده في موضع آخر ، كاتب وحي الرسول وأقرب الناس إلى فصاحته وبلاغته واحفظهم لقوله . . . ولازمه فتيا ويافعا في غدوّة ورواحه ، وسلمه وحر به حتى تخلق بأخلاقه ، واتسم بصفاته وفقه عنه الدين ، وثقف ما نزل به الروح الأمين . فكان من أفقه أصحابه وأقضاهم وأحفظهم وأوعاهم وأدقهم في الفتيا ، وأقربهم إلى الصواب . وحتى قال عمر : « لا بقيت لمعضلة ليس فيها أبو الحسن » أو « لولا علي لهلك عمر » . والميزان الذي قدمه لمن سأله عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر لازال ولن يزال أحسن الميزان لمن يتعامل مع السنة :