مجموعة مؤلفين
122
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
علما ، وحياته نظاما . فهل ترى من الغريب أن انقلابا فكريا ، واجتماعيا ، وسياسيا ، ودينيا ، وحقوقيا . . . كالذي أحدثته البعثة المحمدية - انقلابا أبدع من الأمة الجاهلة ، الضارية ، الممزقة ، أمة جبارة بقوتها ، عزيزة باتحادها ، أصبحت بفضل القرآن وشرع القرآن نبراس هدى ، وقائدة حكمة للمجتمع الانساني . . . أترى من الغريب ان مثل هذه البعثة الخالقة التي استطاعت أن ترتفع بعالم العرب إلى سنام الكمال البشري . . . . وأن تبسط من ظل سلطانهم حتى يكاد يغمر نصف الكواكب الأرضي ، أن تكوّن رجلا مثل الإمام علي بن أبي طالب ، يخرج للعالم كتابا كنهج البلاغة إن أقل ما يقال في مثل هذا انه شك في كفاءة الروح الاسلامية الحية النيرة . وشك في كفاءة الذهنية العربية الصافية عن قبول مؤثرات ثقافة الوحي - الإلهية النبوية . إن كتابا كالقرآن أخرج الدنيا العربية من الظلمة إلى النور ، لخليق أن يخرج للناس رجلا كالإمام علي الذي توفر له من تلك الثقافة الإلهية - النبوية ما لم يتوفر لأحد غيره من المسلمين قط . فإنه نشأ في بيت ابن عمه محمد جامعة الاسلام العليا . فكان له منه أستاذ بر رحيم ، فصيغه صلوات اللّه عليه بصبغته الأخلاقية ، ونشأّه على بلاغته النبوية ، وحينما نزل القرآن الكريم ، وبدأ بالقيام بأعباء الرسالة ، كان علي أول من آمن به ، وجاهد في سبيل دعوته ، فاعتمده كاتب وحيه ، وشرع كلما ألقي إليه بآية يلقنه كل ما تخبئه في تلافيفها من المعاني والأغراض ، فكانت ثروته العلمية والأدبية والشرعية تزداد كل يوم نماء ، فانفسح خياله وصفا ، ورهف شعوره ، ونوّرت بصيرته ، ولطف ذوقه الأدبي ، وظل عليه السّلام أقرب الناس إليه وأجلهم عنده مكانة حتى اختاره اللّه إلى جواره الأقدس . ولما ولي علي الخلافة ، وشهر المعارضون في وجهه السيف ، احتاج إلى الدفاع عن مركز الخلافة ، فإذا به يشرق بتلك البلاغة التي رضعها صغيرا ، وشب عليها كبيرا . . . بدرا كاملا . . . وإذا به ينطق بمكنون علمه الإلهي ، وطرائقه الحكمية ، وآياته الأدبية ، وروائعه في السياسة المدنية والحقوقية . . . فيجيء بما سيظل شمس البيان البشري حتى قيام الساعة . وهذه البلاغة السحرية ، والروعة الدفاقة في جمال الوصف ودقة التصوير وقوة السبك وغزارة المادة . . . وتلك الفلسفة الأخلاقية ، والقواعد الاجتماعية ، والسياسة المدنية ، والمقدرة الجبارة على التصرف في فنون القول ، والحكم الغالية وسمو الافكار ونضوجها . . . هي التي دعت ابن خلكان ومن جاء بعده من كتاب التراجم إلى الشك في صحة نسبة نهج البلاغة للإمام علي ولو أنهم رجعوا إلى الزمان والمكان اللذين نشأ فيهما الامام ، وإلى الأمواج السياسية التي