مجموعة مؤلفين

12

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

شنّت ، وأنّ للبلاغة دولة وللفصاحة صولة ، وأنّ للأوهام عرامة ، وللريب دعارة ، وأنّ جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج ، وتمتلج المهج براضع الحجج ، فتفل من دعارة الوساوس وتصيب مقاتل الخوانس ، والباطل منكسر ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود ، وأنّ مدبّر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغيّر المشاهد وتحوّل المعاهد ، فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، توحى إليها رشادها وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزالّ إلى جواد الفضل والكمال . . . وأحيانا كنت أشهد أنّ عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا فصل عن الموكب الالهيّ واتّصل بالرّوح الانساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد الفوز الأجلى . . . » . أجل ، لقد اهتدى علي ( ع ) إلى الحقائق الثابتة وفلسفة الخلق بصورة تجد كلامه الشفّاف يخلّد الحياة وهو أيضا خالد خلود الدهر . فلا غرو ، إذ هو من كلام من تربّى في أحضان النبيّ ( ص ) وارتوى من معين الوحي ونما وترعرع في بيت القرآن . . . وهو من كلام من لمس كلام اللّه بكلّ كيانه ، فتجسّد فيه الايمان وأصبح هو ذاته مجلى للحقّ وباب مدينة علم النبيّ ( ص ) إذن ، فلا عجب أن يصدر منه كلام على مستوى نهج البلاغة . . . وهذا موضوع لا نخوضه هنا . فالمجاهدون والعلماء ومرابطو الملحمة ، الخالدة ، قد سلكوا هذا المسلك حريصين ومضحّين بكلّ ما عندهم من نفسي ، فجعلوا تلك الموسوعات والمصادر الكبيرة في متناول من ينشد الحقّ ، فجزاهم اللّه عنّا خير الجزاء . وبصدد الخلود الذي يتمتّع به نهج البلاغة ، فالكتاب جوهرة لا يعلوها غبار البلى ، يزداد لمعانا وإشراقا يوما بعد يوم ونوري العالم يتعرّف عليه أكثر وأحسن ، لأنهّ من كلام إمام لمس الآلام كلّها وشعر بما يعانيه الانسان ، وجرّب الأعاصير والفتن وخرج منها خالصا مرفوع الرأس ، وذلك بفضل ما لديه من معرفة ونور إلهيّ كإمام . إنّ نهج البلاغة يحتوي على كلام الامام الذي صيغ في عبارات قصيرة جزلة رائعة