الشيخ جعفر الحائري
55
نهج البلاغة الثاني
الَّذى جَعَلَ الْمَوْتَ بَيْنَ خلَقْهِِ عَدْلًا ، وَانْعَمَ بِالْحَياةِ عَلَيْهِمْ فَضْلًا فَاَحْيا وَاماتَ ، وَقَدَّرَ الْأَقْواتَ ، احْكَمَها بعِلِمْهِِ تَقْديراً ، وَاتْقَنَها بحِكِمْتَهِِ تَدْبيراً ، هُوَ الدّآئِمُ بِلا فَنآءٍ ، وَالْباقى إلى غَيْرِ انْتِهآءٍ ، احمْدَهُُ بِخالِصِ حمَدْهِِ الْمَخْزُونِ ، بِما حمَدِهَُ بِهِ الْمَلآئِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ ، حَمْداً لا يُحْصى لَهُ عَدَدٌ ، وَلا يتَقَدَمَّهُُ امَدٌ ، وَلا يَأْتى بمِثِلْهِِ احَدٌ ، اؤْمِنُ بِهِ وَاشْهِدُ بِهِ ، وَاتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَاستْكَفْيهِ ، وَاشْهَدُ انْ لا الهَ الَّا اللّهُ وحَدْهَُ لا شَريكَ لَهُ ، وَانَّ مُحَمَّداً عبَدْهُُ وَرسَوُلهُُ ، ارسْلَهَُ بِالْهُدى وَدينِ الْحَقِّ ليِظُهْرِهَُ عَلَى الدّينِ كلُهِِّ وَلَوْ كرَهَِ الْمُشْرِكُونَ . ايُّهَا النّاسُ ، انَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ لَكُمْ بِدارٍ وَلا مَحَلِّ قَرارٍ ، انْتُمْ فيها كَرَكْبٍ عَرَّسُوا فَأَناخُوا ، ثُمَّ اسْتَقَلُّوا فَغَدَوْا وَراحُوا ، لَمْ يَجِدُوا عَمّا مَضى نُزُوعاً ، وَلا إلى ما تَرَكُوا رُجُوعاً ، قَلَّ فىِ الدُّنْيا لُبْثُهُمْ ، وَعُجِّلَ الَى الْأخِرَةِ بَعْثُهُمْ ، فَاَصْبَحْتُمْ حُلُولًا في دِيارِهِمْ ، ظاعِنينَ عَلى اثارِهِمْ ، تَحِلُّونَ مِنْ حالِهِمْ حالًا وَتَحْتَذُونَ مِنْ مَسْلَكِهِمْ مِثالًا ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ باِللهِّ الْغُرُورُ ، فَرَحِمَ اللّهُ امْرَءً راقَبَ ربَهَُّ ، وَتَنَكَّبَ ذنَبْهَُ ، كابَرَ هوَاهُ وَكَذَّبَ منُاهُ ، زَمَّ نفَسْهَُ مِنَ التَّقْوى بِزِمامٍ ، وَالْجَمَها مِنَ الْخَشْيَةِ بِلِجامٍ ، فَقادَها الىَ الطّاعَةِ بِزِمامِها وَكَبَحَها عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِلِجامِها ، رافِعاً الىَ الْمَعادِ طرَفْهَُ ، متَوَقِّعاً في كُلِّ انٍ حتَفْهَُ ، دآئِمَ الْفِكْرِ ، طَويلَ السَّهَرِ ، عَزُوفاً عَنِ الدُّنْيا ، كَدُوحاً لِلْاُخْرى ، جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نجَاتهِِ ، وَالتَّقْوى عُدَّةَ وفَاتهِِ ، قَدْ طَوى مهِادهَ ، وَهَجَرَ