الشيخ جعفر الحائري
38
نهج البلاغة الثاني
اوصيكُمْ عِبادَ اللّهِ بِتَقْوَى اللّهِ ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَاحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا الَّتى لَمْ يُمَتَّعْ بِها احَدٌ قَبْلَكُمْ ، وَلا تَبْقى لِاَحَدٍ بَعْدَكُمْ ، فَسَبيلُ مَنْ فيها سَبيلُ الْماضينَ مِنْ اهْلِها ، الا وَانَّها قَدْ تَصَرَّمَتْ وَاذَنَتْ بِانْقِضآءِ ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها ، وَاصْبَحَتْ مُدْبِرَةً موَلِّيَةً ، تَهْتِفُ بِالْفَنآءِ ، وَتَصْرُخُ بِالْمَوْتِ ، قَدْ امَرَّ ما كانَ مِنْها حُلُواً ، وَتَكَدَّرَ مِنْها ما كانَ صَفْواً ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْها الّا شُفافَةٌ ( 1 ) كَشُفافَةِ الْأِنآءِ ، وَجرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْأِدواةِ ، لَوْ تَمَرَّزَهَا الصَّدْيانُ لَمْ تَنْقَعْ غلُتَّهُ ، فَاَزْمِعُوا عِبادَ اللّهِ عَلَى الرَّحيلِ مِنْها ، وَاجْمِعُوا مُتارَكَتَها ، فَما مِنْ حَىٍّ يَطْمَعُ في بَقآءٍ ، وَلا مِنْ نَفْسٍ الّا وَقَدْ اذْعَنَتْ لِلْمَنُونِ ، وَلا يَغْلِبَنَّكُمُ الْاَمَلُ ، وَلا يَطُلْ عَلَيْكُمُ الْأَمَلُ ، وَلا تَغْتَرُّوا بِالْمُنى وَخُدَعِ الشَّيْطانِ . تَعَبَّدُوا للِهِّ عِبادَ اللّهِ ايّامَ الْحَياةِ ، فَوَ اللّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنينَ الوْلَهَِ الْعَجْلانِ وَدَعَوْتُمْ دُعآءَ الْحَمامِ ، وَجَأَرْتُمْ جِؤارَ الرُّهْبانِ ، وَخَرَجْتُمْ الَى اللّهِ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ، الْتماسَ الْقُرْبَةِ اليَهِْ فىِ ارْتِجاعِ دَرَجَةٍ ، وَغُفْرانِ سَيِّئَةٍ احْصَتْها كتَبَتَهُُ ، وَحَفِظَتْها رسُلُهُُ ، لَكانَ قَليلًا فيما تَرْجُونَ مِنْ ثوَابهِِ وَتَخْشَوْنَ مِنْ عقِابهِِ ، وَتاَللهِّ لَوِ انْماثَتْ قُلُوبُكُمْ انْمِياثا ( 2 ) ، وَسالَتْ مِنْ رَهْبَةِ اللّهِ عُيُونُكُمْ دِمآءًا ، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ عُمُرَ الدُّنْيا عَلى افْضَلِ اجْتِهادٍ وَعَمَلٍ ، ما جَزَتْ
--> ( 1 ) الشّفافة بالضّمّ بقيّة الماء في الإناء ، كصبابة ايضاً بهذا المعنى ، والإدواة قيل هي المطهرة اى الماء الّذى يتطهّر به ، وتمزّرها امتصّها قليلًا قليلًا ، والصّديان العطشان . ( 2 ) انماثت اى ذابت .