السيد عباس علي الموسوي

94

شرح نهج البلاغة

وجوه دوابهم فصاح بهم علي فكفوا ، وقال الأشتر لعلي : يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف يصرع القوم . . ولكن صيحات القوم إلى الحكومة كانت أقوى من صيحة الأشتر إذ هم أكثر عددا وأوفر حظا وطالب الأمن والدعة لا يخلو من ناصر وموافق . . . المشهد الثالث : اختيار الأشتر وكتابة الصحيفة . وهذا الموقف من الأشتر من أعظم مواقفه وأجلها ، ومن أنبل المواقف وأسدها ، إنه موقف تجلى فيه الإنسان الرسالي الذي لم يزده الدهر إذا تنكب أو تعثر إلا شدة وقوة ولم تعطه مواقف الذل والانهيار من الغير إلا تمسكا بمبادئه وتعصبا لها . الإمام يختار الأشتر . اضطر الإمام لقبول التحكيم تحت الضغوط الشديدة التي ألجأه إليها أصحاب الجباه السود وبما أن التحكيم قد فرض عليه فرضا فقد أحب أن يكون من قبله أحب الناس وأخلصهم إليه فلذا اختار ابن عباس ولكنهم رفضوه قائلين : واللّه ما نبالي أكنت أنت أو ابن عباس ولا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء وليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر . فقال علي : فإني أجعل الأشتر . فقال الأشعث : وهل سعّر الأرض علينا غير الأشتر ، وهل نحن إلا في حكم الأشتر . فقال علي : وما حكمه . قال : حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد . الأشتر وصحيفة التحكيم . كتبت صحيفة التحكيم الظالمة وأخذ الأشعث ومن هم على رأيه يدورون بها على الناس كي يشهدوا عليها ولما دعي لها بطلنا الأشتر . قال رأيه فيها وأبدى بصراحة فائقة وجهة نظره حيث أبى أن يوقع اسمه فيها قائلا : لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة أولست على بيّنة من ربي ويقين من ضلالة عدوي أولستم قد رأيتم الظفر أن لم تجمعوا على الخور . فقال له رجل من الناس : إنك واللّه ما رأيت ظفرا ولا خورا هلم فاشهد على نفسك واقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنك لا رغبة بك عن الناس .