السيد عباس علي الموسوي

63

شرح نهج البلاغة

للعامة وعيب على الولاة . فامنع من الاحتكار فإن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا : بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به ، وعاقبه في غير إسراف ) إن عليا وهو على رأس الدولة يشعر بمسؤوليته الضخمة التي يجب أن يؤديها على أكمل وجه وأتمّه ، ولا يجوز أن يحرم من وصاياه كل ما يقدّم للأمة نفعا وللناس خيرا وهو هنا يأمر الوالي أن يتفقد أمور التجار من كان تحت سلطانه في بلده أو في أقاصي البلاد التي يحكمها هذا الوالي فإن كبر مسئوليته وسعتها لا يكون شفيعا له إن أهمل أو قصّر فإن إدارة البلاد ليست من أجل الرئاسة والوجاهة بل من أجل خدمة الناس وتنمية الحياة عندهم والأخذ بما في أيديهم لصالح المسلمين قاطبة وهذا يتطلب من الوالي أن يكون مع أفراد المجتمع وطبقاته . وينبه الإمام إلى أن التجار فيهم بعض الأوصاف غير النظيفة التي يحاربها الدين ويحب أن يقتلعها من نفوسهم لأنها من جهة في أنفسها صفات خسيسة ولأنها تضرّ بعامة الناس من جهة أخرى . ففيهم عسر في المعاملة وشح في النفوس وفيهم حب الربح الفاحش الذي يطلبونه ولو بالاحتكار المحرم ، فإن الدين قد حارب المحتكرين الذين يجمعون ما يحتاجه المجتمع مما نص عليه الشارع كالحنطة والتمر والسمن والملح وغيرها من المواد الأولية الضرورية لحياة المجتمع ، يجمعونه في أيام وفرته إلى وقت حاجته فيمنعونه عن المحتاجين بالأسعار الخفيفة حتى إذا نفذ من الأسواق طلبوا به الأسعار العالية التي ترهق كاهل الناس وتعجزهم عن شرائه وفي هذا النوع من التجاوز الشرعي فضلا عما ذكرنا من الأضرار بالناس فيه مذمة للولاة وعيب عليهم لأنه يقال إن في زمنهم حصل هذا الأمر المحرم الذي أضرّ بالمجتمع وذلك لإهمالهم وتكاسلهم وعدم التفاتهم إلى رعيتهم ولو أنهم كانوا بمستوى المسؤولية المنوطة بهم لما حصل ما حصل فإن رسول اللّه ( ص ) قد منع عن الاحتكار وحرمه على أمته فيجب على من تولى الأمر نيابة عن النبي أن يقتفي أثره في تحليل حلاله وتحريم حرامه . وليكن البيع بيعا سمحا لا إجحاف فيه ، بموازين سليمة صحيحة ليس فيها تطفيف أو أكل للمال بالباطل وكذلك يجب أن تكون الأسعار معتدلة لصالح الفريقين البائع والمشتري فلا ترتفع فتضرّ بالمشتري ولا تقل فتضر بالبائع . . . وفي ختام حديثه عن هذه الطبقة يأمره أن يؤدب من احتكر بعد النهي ولتكن العقوبة بقدر محدد كما رسمها الشارع وكما هي المصلحة دون أن يكون فيها تجاوز لأنها لردع المنحرف وليس للانتقام منه . . .