السيد عباس علي الموسوي

285

شرح نهج البلاغة

الشرح أراد الإمام في هذا الفصل أن ينبه الإنسان إلى أنه ينبغي عليه أن يحافظ على الاعتدال في الأمور فلا يأخذ جانب الإفراط كما لا يأخذ جانب التفريط وذكر بعض الحالات التي تعترض هذا الإنسان فتشده إلى التهور وعدم الاعتدال . ابتدأ بذكر محور هذه الأمور ومصدرها ومنطلقها وحركتها إنه القلب الذي يتصل بكل تلك الملكات والحالات وهو يتحملها ويكون المصبّ لها جميعا أنه يحمل الشيء وضده والقضية ونقيضها وقد ذكر موارد ينحرف فيها الإنسان ويتجاوز الحدود . 1 - فإن سنح له الرجاء أذله الطمع : إذا مرّ في خاطره أن فلانا يحقق له ما يرجوه ويصبو إليه تراه يخضع له ويذل نفسه من أجل أن يصل إلى ما يرجو . . . إن الطمع في الوصول إلى ما يرجو هو الذي يقوده إلى إذلال نفسه وإهانتها ثم إذا اشتد الطمع وازداد واستفحل أمره يتحول إلى حرص قاتل لأن من حرص على شيء بذل نفسه في سبيل تحقيقه إن كان مفقودا وفي الحفاظ عليه إن كان موجودا . 2 - وإن ملكه اليأس قتله الأسف : إن انسدت الأبواب في وجه مطلوبه ودب اليأس في قلبه حتى وصل إلى العمق فإن الحزن والأسى سيقتله لأنه يعيش الكآبة الدائمة وتصبح بالنسبة له ملازمة فتتحول حياته إلى شقاء وعذاب وهو نوع من الموت إن لم يكن هو الموت كله . 3 - وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ : إذا ثار الغضب في نفسه فإنه قد يشتد إلى أن يحنق ويكاد ينفجر من شدته . 4 - وإن أسعده الرضى نسي التحفظ : إذا رضي عن حاله أو ماله وأقبلت عليه الدنيا من جهة نسي أن يصونها ويحفظها ويضعها موضعها فإذا أعطى المال واطمأن إليه نسي المحافظة عليه بأداء الحق المعلق فيه وعدم استعماله في الحرام وهكذا إن أعطي صحة وولدا وجاها . 5 - وإن غاله الخوف شغله الحذر : إن سيطر الخوف عليه واستولى على قلبه تراه يعيش الحذر والخوف من كل شيء وكأن كل صيحة عليه فإن سيطر عنصر الخوف من المرض حذر من كل طعام وعده عدوا له وهكذا . . . 6 - وإن اتسع له الأمر استلبته الغرة : إذا وسع اللّه عليه في نفسه أو ماله بأن اطمأن إلى صحته أو إلى سعة ماله وكثرته فإنه يأمن غوائل الدهر ويروح في دعة وهناء لا يفكر