السيد عباس علي الموسوي

261

شرح نهج البلاغة

الشام أبقضاء من اللّه وقدره فقال أمير المؤمنين : أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من اللّه عز وجل وقدره . فقال الشيخ : عند اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين عندها التفت إليه أمير المؤمنين وقال له : ويحك لعلك ظننت . . . حوار رقيق ودقيق بين شيخ اشتبهت عليه الأمور فأراد أن يستوضحها من الإمام . . . سؤال وجواب . أبقضاء اللّه وقدره كان المسير إلى أهل الشام فأجابه الإمام نعم . . . كل ذلك بتقدير اللّه فذهب فهم الشيخ إلى أنه لا أجر إذن في مسيره حيث كان مجبرا عليه عندها التفت الإمام ليصحح له ما أراد ويبين له ما يجب أن يفهمه من كلامه . . . ظن الشيخ أن المسير لازم حتم لا يمكن أن يتخلص منه فردّ عليه الإمام أنه لو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد لأن هذه الأمور مرهونة بالاختيار وأن يملك الإنسان حريته في الفعل وعدم الفعل فإذا ملك الاختيار ترتب الأجر والثواب وصح الوعد والوعيد وإلا كيف يعاقب أو يثاب من لا يملك حريته ويكون ما وقع منه مكرها عليه . . . ثم بين له أن اللّه صدّر الأوامر والزواجر وترك حرية الطاعة والعصيان للمكلف . . . إنه سبحانه كلف الإنسان بما يقدر عليه ولم يكلفه بما يعسر عليه أو يشق ومع ذلك أعطى على العمل القليل الأجر الجزيل . . . ثم بين له بعض الخصوصيات الدقيقة : إن اللّه لم يعص مغلوبا : فمن عصاه لم يعصه لأنه سبحانه عاجز مقهور لا يقدر على ردعه ورده بل لو أراد ذلك لفعل ولكنه يتركه ليرى مقدار طاعته والتزامه . ولم يطع مكرها : فمن أطاعه سبحانه لم يطعه عن جبر وإكراه وأنه ملزم لا يمكنه تركه . لم يرسل الأنبياء لعبا ولم ينزل الكتاب عبثا : إنه سبحانه لم يرسل الأنبياء للتلهي وقضاء الوقت وقتله دون غاية عظيمة تتجسد في تكامل الإنسان ورفعته وصيرورته قريبا من اللّه وكذلك لم ينزل الكتاب للعباد عبثا فما أنزله من كتب لم يقصد به العبث وإنما أنزله لهداية الخلق وردهم إلى اللّه والأخذ بيدهم إلى ما فيه صلاحهم ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا بل خلقهما بالحق من أجل الإنسان وسعادته . . .