السيد عباس علي الموسوي
163
شرح نهج البلاغة
فأرسلت إليهم إن أرادوا الرجوع فأذنوني فلما أرادوا الرجوع أرسلوا لي فرميت بالحديد من رجلي - وكان قد كبلّه أبوه به - ثم خرجت معهم إلى الشام فلما قدمت سألت عن عالمهم قيل لي : صاحب الكنيسة فأتيته فأخبرته خبري وقلت له : إني أحب أن أكون معك وأتعلم منك فإني قد رغبت في دينك قال : أقم . روزبة وراهب الكنيسة : يقول روزبة وكان - الراهب - رجل سوء في دينه ( 1 ) وكان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه حتى جمع سبع قلال دنانير ودارهم ثم مات فاجتمعوا ليدفنوه قلت لهم : إن صاحبكم رجل سوء وأخبرتهم ما كان يصنع قالوا : ما علامة ذلك فأخرجت القلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوها قالوا : واللّه لا نعيبه ثم صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه قال روزبة : فما رأت رجلا أعظم رغبة في الآخرة ولا أزهد في الدنيا ولا أدأب ليلا ونهارا منه فأحببته حبا كثيرا ، فلما حضره قدره قلت له : إنه قد حضرك من أمر اللّه ما ترى فما ذا تأمرني وإلى من توصي بي قال : أي بني ما أرى أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل فأما الناس فقد بدلوا وهلكوا . وسار روزبة إلى الموصل : فلما وصلها أخبر كاهنها الخبر ووصية راهب دمشق فقال له : أقم فأقام ما شاء اللّه ثم دنت الوفاة من الراهب فقال روزبة ما قاله للراهب السابق : ما ذا تأمرني وإلى من توصي بي فقال له الراهب : أي بني واللّه ما أعلم أحدنا على أمرنا إلا رجلا بنصيبين فالتحق به فالتحق به وأقام معه ما شاء اللّه حتى دنت الوفاة فقال روزبة له : إلي من توصي بي قال : أي بني واللّه ما أعلم أحدا من الناس على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ولحق روزبة بعد وفاة هذا الراهب براهب عمورية فمكث عنده ما شاء اللّه ثم حضرته الوفاة فقال له روزبة : إلى من توصي بي فقال له : أي بني واللّه ما أعلم أنه أصبح على وجه الأرض يدين بمثل ما ندين به ، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم يخرج من أرض مهاجرة وقرارة ذات نخل بين حرتين وأن به آيات لا تخفى إنه لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية وبين كتفيه خاتم النبوة . ولما مات الراهب أخذ روزبة يفتش عن بلدة تقع بين حرتين وبعد تفكير طويل اهتدى إليها إنها طيبة ، إنها المدينة وأراد الرحيل من عمورية وتحين الفرص أن ترحل قافلة إلى المدينة ليرحل معها وهؤلاء ركب من بني كلب يريدون المدينة وخرج روزبة
--> ( 1 ) وينص القرآن ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ ( 34 التوبة ) .