السيد عباس علي الموسوي
161
شرح نهج البلاغة
للإسلام ولرسول اللّه ولأهل بيته وكان أحد الأركان الذين أعطوا الولاء للإمام كما كان من الزهد بمكان رفيع والإمام هنا يكتب إليه هذه الرسالة مذكرا له بالدنيا ومساويها وكيف يستطيع أن يخرج الإنسان منها بتجارة رابحة ورأس مال وفير . ابتدأ عليه السلام بذكر الدنيا وشبهها بالحية من جهة أن الحية ناعم مسها ومن وضع يده عليها شعر بالنعومة ولكن ضمن هذه النعومة سما قاتلا وكذلك الدنيا فإن عيشها رغيد وملذاتها طيبة وشهواتها مرغوبة تدفع الإنسان إلى الميول والهوى ولكن عاقبة ذلك العذاب والهوان والخلود في النار . . . ( فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ) وجه إليه نصائح عدة وهذه هي النصيحة الأولى أمره أن يجانب ويترك ما يعجبه منها من ملذات وشهوات ومال وعقار وعلل ذلك بقلة ما يصحبه منها إلى الآخرة فإن هذه كلها تبقى في الدنيا ولا يأخذ منها صاحبها شيئا بل ربما بقيت تبعتها عليه إن أخذها من غير مواردها المشروعة المحللة . . . ( وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها وتصرف حالاتها ) ألق عنك ما يهمك منها ويشغل بالك فلا تعيش الهم والغم والقلق المستمر منها وعليها لأن كل ذلك ينقضي ويتصرم بفراقها والخروج منها وحالاتها المتغيرة من عسر إلى يسر ومن شدة إلى رخاء كلها تنقضي وتزول عندما تطوى صحيفة هذا الإنسان من الدنيا ويتركها بالموت إلى الآخرة . . . ( وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها ) أي احذر الدنيا أشد الحذر عندما تكون في أحسن حالاتك أنسا لأن ساعة الأنس تنسي الآخرة فينحرف الإنسان عن الهدى فيجب أن يكون حذرا جدا في تلك الحالات لئلا تزل به القدم أو تقذف به الدنيا إلى ضد ما هو فيه فيتحول سروره إلى حزن وسعادته إلى شقاء . ( فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور أو إيناس أزالته عنه إلى إيحاش والسلام ) وكأن هذا تعليل لوجوب أشد الحذر عندما يكون أشد أنسابها وسرورا بما فيها وذلك أنه وهو في أشد حالاته سرورا في ملك أو سلطان أو مال أو جاه وإذا بالدنيا تزيل عنه المال وتسلب منه السلطان وتضعه بعد ذلك الجاه . وإذا كان مستأنسا بأمر ربما حولته عنه إلى وحشة قاتلة فربما استأنس بالزوجة أو الولد فإذا بملك الموت يقبضهما فيحول ذلك الأنس إلى وحشة وهمّ وغم . . .