السيد عباس علي الموسوي
84
شرح نهج البلاغة
وفيها بذكر أوصاف رسول اللّه وشمائله الحميدة وأفعاله العظيمة . فابتدأ بذكر دعوته صلوات اللّه عليه وأنه أعلنها للناس وجهر بها امتثالا لقوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ . . . وقد مزق من خلال دعوته والجهر بها زمر الكفر وفرق شملهم وبلّغ رسالات ربه إلى جميع الناس حتى وصلت إلى كل مكان فبلغت كسرى وقيصر والنجاشي وسمع بها الملوك والسوقة والحكام والشعوب . وكان من نتيجة هذه الرسالة أن جمع اللّه به القلوب وارتفعت الخلافات والنزاعات وما كان يجري بين الناس من العداوة والقتال . لقد حل الوفاق بعد الخلاف والاجتماع بعد الفرقة والحب بعد العداوة والمودة والصلح بعد البغض والحرب لقد تبدلت الأمور بأضدادها لقد كانت تقطّع الأرحام وتتناحر الأسرة الواحدة وتشن الحروب والمعارك كانت القلوب تغلي بالحقد وكانت العداوة تسري في النفوس فأبدلها اللّه ببركة رسول اللّه بأضدادها . . . وإن من قرأ تاريخ العرب وماضيهم في أيام جاهليتهم وقارنها بأيام الإسلام في زمن رسول اللّه لا يشك إنها كانت طفرة معجزة خارقة للعادة لا يمكن تفسيرها بحسب قوانين الاجتماع والمدنية فإن هذه النقلة النوعية لا يمكن أن تحدث بهذه السرعة بل لا بدّ لها من قرون حتى تحصل وبشكل تدريجي وتصل بعدها إلى ما وصلت إليه . . . إنها تعاليم الإسلام ومبادئه على يد القادة الرساليين تقطع بلحظات ما يقطعه غيرها في سنوات . . . إنها خطابات اللّه التي تخاطب هذه النفوس بما تعرف أنه علاجها الحاسم . . . تخاطب هذه النفوس بما تحتاجه وتتوق إليه ويعيش في داخلها ولذا حدثت هذه الطفرة ويمكن أن تحدث في كل وقت . . .