السيد عباس علي الموسوي
81
شرح نهج البلاغة
بكاهم ولا يجيبون من دعاهم ) هذه نهاية هؤلاء الناس الماضين الذين تمتعوا ببعض زينة الحياة الدنيا وغرهم ما فيها فتجاوزوا الحدود إنهم ماتوا فأصبحت مساكنهم التي كانوا يسكنون بها قبورا لهم تضمهم جوانبها وأموالهم التي خلفوها ميراثا للورثة يتنعمون بها . . . إنهم في غربة تامة وفي عالم آخر مفصول عن عالم الدنيا فلذا تختلف حالاتهم . . . لا يعرفون من أتاهم للزيارة سواء كان من الأقرباء أم البعداء من الأحباب أم المبغضين . . . إنهم لا يبالون بمن بكاهم ولا يتأثرون لبكائه كما أنهم لا يجيبون من دعاهم وناداهم ، لقد عاشوا بعيدين عن حالات الناس التي يعيشها أبناء الدنيا . . . ( فاحذروا الدنيا فإنها غدارة غرارة خدوع ) احذروا الدنيا ألف مرة ومرة ، احذروها حذر العدو الذي يتربص بكم الدوائر فإنها كثيرة الغدر بأهلها تفترسهم وتغر الناس ببعض حلاوتها فيغترون بها كما أنها تخدع أهلها فتظهر لهم خلاف ما تبطن ، تظهر لهم لينها وحلاوتها وفي حقيقتها تبطن القساوة والمرارة فهي تظهر خلاف ما تبطن . . . ( معطية منوع ملبسة نزوع ) إنها تعطي في الظاهر ولكنها تمنع في الواقع لم تقدّم شهدها إلا لتصطاد فريستها ولم تلبس روادها بعض زينتها ورياشها إلا نزعت ذلك اللباس عنهم ولو بالموت . ( لا يدوم رخاؤها ولا ينقضي عناؤها ولا يركد بلاؤها ) وهذه هي الدنيا باختصار فأيام الرخاء والهناء والغنى والثروة والجاه والسلطان كل ذلك لا يدوم بل تأتي عليه الأحداث فتزيله . وأما أيام التعب والشقاء فإنها أيام لا تنقضي أو تزول بل هي دائمة مستمرة والمرء يكابد المشقة والتعب من أول يوم ولد حتى آخر أيامه في الدنيا فعند ما يخرج إلى الدنيا يصرخ منها وعندما يخرج منها يبكي منها وعليها . . . وأما بلاؤها وهي مصائبها ومشاكلها فإنها تشتد وتزداد كلما ازداد عمر الإنسان وكبر . . . ( كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها ) قالوا : إنه عليه السلام يصف بعض أصحابه الذين درجوا قبله وقالوا : إنه يصف بعض الزهاد وعلى كل فالعبرة بعموم الوصف فإنهم قوم كانوا من أهل الدنيا بأجسامهم يعيشون مع الناس في صورتهم ويتحركون كما يتحركون ولكنهم بقلوبهم ليسوا معهم بل قلوبهم متعلقة بالآخرة تنظر إليها وتعمل لها وتحسب حسابها فهم فيها وكمن ليس فيها . . . ( عملوا فيها بما يبصرون وبادروا فيها ما يحذرون ) هم على بصيرة من أمرهم ويقين