السيد عباس علي الموسوي
62
شرح نهج البلاغة
ذكر طول أعمارهم وأنهم كانوا يعمّرون طويلا أكثر من أجيالنا هذه وينقل لنا القرآن عمر نوح فكان ألف سنة إلا خمسين عاما وتنقل الأحاديث أسماء من عمّروا مئات السنين . وكذلك هم أعمر ديارا قال تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها . . . ( 1 ) فقد عمّروا ديارهم ونحتوا بيوتهم في الصخور وتركوا اثارهم شاهدة عليهم حتى اليوم ومع هذا فقد طواهم الموت وسيطوي الحاضرين ويأخذهم كما أخذ الماضين . . . ( أصبحت أصواتهم هامدة ) أخذ في وصف حالهم وما آلت إليه أمورهم بعد طول الأعمار وعمارة الديار ليعتبر الحاضرون بحالهم ويستعدوا لمآلهم . . . فقد سكنت تلك الأصوات التي كانت ترتفع وتصرخ بل اختفت من الوجود وانعدمت من الأساس فلا تسمع لهم حسا . . . ( ورياحهم راكدة ) أصبحت قوتهم وما كانوا عليه من الغلبة والسطوة في زاوية العدم ، وذكرهم الذي كان يرعب الناس قد خمل وانطفأ . . . ( وأجسادهم بالية ) فقد تحلّلت أجسادهم الناعمة القوية وتفتت فأصبحت رميما في القبور وكم من قبر تفتحه لا تجد فيه غير بقايا ميت تحول إلى تراب . . . ( وديارهم خالية ) فهذه ديارهم التي كانوا يسكنون فيها قد خلت منهم وتعطلت فهي فارغة تحكي فقدهم وبعدهم عنها . ( وآثارهم عافية ) ما تركوه من تلك الديار قد اندرست وانمحت ولم يبق إلا الأطلال تحكي أنهم كانوا . . . ( فاستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة والقبور اللاطئة الملحدة التي قد بني على الخراب فناؤها وشيد بالتراب بناؤها ) ففي دار الدنيا كانت لهم قصور عالية محكمة البناء قد تعبوا في رسم خرائطها وتنفيذها واتقنوا صنعها وكذلك كانت لهم الوسائد التي يتكئون عليها ويستريحون فهذه قد استبدلت بأضدادها فبدل القصور المشيدة حلّت الصخور والأحجار المسندة فقد بنيت قبورهم
--> ( 1 ) سورة الروم ، آية - 9 .